حينما عادت الكوادر الفلسطينية من تونس الى أرض فلسطين بعد اتفاقية أوسلو، قامت مجلة الكرمل باجراء استطلاع مع بعض هذه الكوادر ونشرته في بعض أعدادها، والسؤال كان ماهية المشاهدة لفلسطين هذه التي خلعت نفسها من الحالة التجريدية والقصائد، وصارت وطناً كامل الدسم ويسمح بالمشاهدة حد اللمس.

وكانت اغرب شهادة للشاعر الفلسطيني زكريا محمد الذي قال حين داس ثرى فلسطين بحسرة نادرة «أهذا هو الوطن؟».

إن هذه الحسرة لا تنطبق على الشاعر زكريا محمد وحده، بل إن الأمر يمكن تعميمه على الشعب الفلسطيني بالكامل الذي تتاح له أحيانا أن يشاهد أرض فلسطين من خلال أرض مجاورة لفلسطين، وتصبح فلسطين قابلة للدخول في مرمى البصر وتذوق حسرة الفقدان وتغول الاحتلال

ان هذه اللحظة تدخل المشاهد فيما يمكن تسميته بأفخاخ فلسطين، إذْ المشاهدة العينية لفلسطين وإذْ بأكوام الخسارات القومية لفلسطين تراها وهي تتكوم أمامك، وحين تشعر بهذه الحسرة وأنت ترى فلسطين النشيد والقصائد وبيانات الثورة والخطابات السياسية العربية مخفورة امامك باغلال الاحتلال، من هنا تتحول الاغلال الى طوق خانق يرهق الروح.

واول امس كنت انا ومجموعة من الاصدقاء نجلس في مزرعة الصديق الشاعر سعد الدين شاهين وكنا على ظهر التلال الخرافية التي تطل على العدسية وعلى نهر الاردن، وكانت الاضاءات المتناثرة على سطح التلال المقابلة لنا تقودنا نحو افخاخ فلسطين.

ولان الاماكن وهي تبرز في الاضاءة الليلية وعلى عكس ما يحدث في النهار إذْ تبدو الارض ترابية فان الاضاءة ها هنا كشفت عن مدن كاملة وكان الصديق الشاعر سعد الدين شاهين يتولى شرح هذه الاماكن ليعطيها اسمها وهو يقول تلك الاضواء التي في الاعلى هي نابلس ورام الله وتلك المساحة الضوئية المستطيلة هي مدينة القدس وهنا في الاسفل القريب مدينة اريحا.

هذه اذن هي الافخاخ الجغرافية لفلسطين تتشكل لتبدو كجراح محتلة بالاضاءة، بينما كان المدعوون يشرقون بحسرة الاحتلال واسترداد فلسطين وسط حمى المشاهدة. في كل مرّة ازور هذه المزرعة احاول ان انجو من أفخاخ فلسطين لكن حضور فلسطين وضاءة في هذا الليل البهيم يعيدني الى وجع فقدان فلسطين التقلب المدمى في أفخاخها


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور