مامن وقت انشطرت في البُنية الاجتماعية مثل هذا الوقت، حيث بات فيها الوصل والاتصال العائلي يبدو وكأنه حالة من اختراق المستحيل، وصار اليتم العائلي وفقدان تلك الحميمية التي ظلت تميز العائلة العربية هما الحالة التي يتمظهر فيها الفقر في التواصل العائلي.

والبيت العربي الذي كان اهم ملامحه الحضور الدائم للضيوف في حالة تشبه التناوب في حراسة المحبة وحميمية العائلة، صار يبدو وكأنه مقفراً من هذه الملامح لا بل أخذ البيت العربي تحديداً يتحلى بعدوانية غير مبررة تجاه الضيوف والاقارب

وانا ما زلت أذكر كيف انه كان من الصعب علينا نحن جيل الخمسينيات والستينيات أن نجد بيتاً يخلو من تلك العجوز الجدّة التي تحرس البيت بتقواها وصلاتها وحمى الدعاء والرضا. كما انه كان من الصعب بالفعل ان تجد بيتاً يعيش عزلته من الاقارب والاحبة مثلما يحدث هذه الايام. وقد كان العم او الخال والخالة وابن العم يقتحمون بيوتنا ويؤكلون مما تيسر من الطعام دون هذا الحرج اللعين الذي صار يُربك البيت كلما رنّ جرس الباب.

نعم كان الأثاث متواضعاً ومتشابهاً وكان الدخول الى البيوت هيناً ولا يحتاج الى مثل كل هذا التعرق والارتجاف في حالة قدوم الضيف، ولم تكن البيوت قد دخلت في مباريات الأثاث والتنافس في قطع الأثاث على اساس بث الغيرة والحسد.

وكان طعام الضيف على اساس نظرية «جود من الموجود» وقد كان هذا يعفي صاحب البيت من أي ارتباك وهو يقدم الطعام البسيط، والأمر لا يتوقف على نوعية الطعام بل على كافة طقوس الضيافة من سهر ونوم.

وفي هذا المقام ما زلت أذكر اني وحينما كنت أرافق والدي في زيارته لبعض اقاربنا على نحو مباغت كيف كنا ندخل بعض الغرف العارية من أي أثاث وفجأة تقوم ربة البيت بفرد الحصير ومن ثم وضع الفرشات بشكل منتظم مع الوسائد وابريق فخار الماء حتى تتحول الغرفة التي كانت عارية الى غرفة مكتظة بالاثاث وهنا علينا أن نعترف اننا بدأنا ننجب جيلا أقل ما يقال عنه أنه جيل قطيعة بامتياز.

فالبيوت لم تعد تحرسها الجدات، ولا الحيوانات الأليفة وصار الوصل والاتصال مع العائلة حالة من حالات المستحيل ولهذا لم يعد غريباً ان نحدق في ملامحنا العائلية بهذه القسوة المعدنية.

ومرحى لجيل القطيعة ورحم الله ايام زمان.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور