نقصَ معدّل المنافسة على عضوية البلديات عن مرشحين اثنين تقريبا لكل مقعد، وكان يفترض ان تحرك العودة الى الانتخاب الكامل للمجالس حمّى المنافسة، لكن الآلية الانتخابية كما يمكن لأي مراقب أن يستنتج أحبطت المناخ العام. وأكرر -مرّة أخرى- أن المعنيين بالقرار لم يتوقفوا ابدا لمناقشة عميقة وجدّية لهيكل البلديات والآلية الانتخابية، ما يعكس فشلا وقصورا ليس في الواقع إلاّ جزءا من الفشل والقصور الأوسع في التعامل مع التنمية السياسية والاجتماعية. والأمر لا يخصّ السلطة التنفيذية، بل الطبقة المتواجدة بصورة أو أخرى في مواقع القرار أو مواقع التأثير عليه.
بشأن الانتخابات النيابية، أيضا، فإنّ التوقعات انحدرت كثيرا منذ صدور تأكيدات على بقاء القانون القديم كما هو من دون تغيير، ومع ان رئيس الوزراء -وفق قناعتي الشخصية- كان يحبذ التغيير فإن حصيلة الموقف لمن هم في مواقع المسؤولية والاستشارة كان محبطا لكل من يفكّر ويقدح دماغه من أجل التغيير، وهذا الوسط عموما دفع باتجاه بقاء القديم على قدمه عندما ضاق الوقت وتوجب اتخاذ قرار.
لقد افتقرت الأغلبية الساحقة، مما يمكن أن نطلق عليه تعبير الطبقة السياسية، إلى الديناميكية والإقدام الضروريين لدفع عملية التغيير. وإن كل التسميات "المجازية" لما يطلق عليه حرس قديم أو جديد، ليبراليون جدد أو محافظون متشددون، تكنوقراط حديثون أم بيروقراط تقليديون، هذه التسميات لا مكان لها هنا ولا معنى، فحين نصل الى الإصلاح السياسي يتساوى الجميع في السلبية، وقد تكون أولوية الاعتبار الأمني فرملت التقدم على هذا الطريق. لكننا نعرف أن الكثير من الأفكار المعروضة للتغيير لم تكن لتشكل ابدا قفزة في الظلام أو تورطا غير محسوب النتائج. أبداً، بل لعلها كانت ضرورة حيوية لرفع سوية الجبهة الداخلية وتحصينها، لكن لم نر أحدا يجعل من هذا قضيته، فالهاجس الذاتي العياني والآني هو المحرك للأغلبية الساحقة حتى بالنسبة لفعاليات برلمانية متحررة من التزامات المنصب الرسمي.
التشظّي والفردية والذاتية بلغت شأوا بعيدا، والأغلبية ممن يشغلون المواقع العامّة أو ينافسون عليها باتوا عبئا على الحكم، فليس لدى أغلبهم رؤية أو قضيّة عامّة حقيقية غير ما هم فيه من تزاحم شخصي على المناصب والنفوذ. وأداة هذا التزاحم هي القيل والقال والإشاعات والطعن المتبادل من دون أي قضيّة عامّة حقيقية. ومن المؤسف إننا نحوز على قيادة شابّة ديناميكية متحفزّة للتقدم كانت تستحق من حولها نسيجا من قماشة مختلفة؛ فحتّى الجدد الداخلين يكتسبون صفاتهم من الوسط القديم نفسه، والمشكلة أنني لا أجد طريقة لنشوء نوع جديد من القيادات سوى بالإصلاح السياسي نفسه!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري