قرارات عاصفة اتخذها مجلس الوزراء وأعلنها رئيس الوزراء في مؤتمره الصحافي أمس، بقبول استقالة وزيري الصحة والمياه، والإحالة على التقاعد أو الاستيداع أو النقل لعدد من المديرين والمسؤولين ذوي الصلة.
ليس بالضرورة أن يكون أي من هؤلاء قد ثبت تقصيره أو مسؤوليته الفنّية عما حدث في منشية بني حسن، ففي دول متقدمة يستقيل الوزير سلفا لمجرد أن الواقعة حدثت في نطاق ولايته ومسؤولياته ويستمر بعد ذلك التحقيق الفنّي حول ما حدث. ووقوع هذه الحادثة بحدّ ذاته؛ أي تسمم أكثر من ألف مواطن من مياه الشرب يستوجب ثمنا, واستقالة الوزيرين المعنيين بالشأن أي المياه والصحّة ليس بالثمن الكبير، ولهما أن يفترضا أن سوء الحظّ شاء أن تقع الحادثة في عهديهما. ووفق ما قال رئيس الوزراء فهناك مسؤولية أدبية وأخلاقية يجب على المسؤول أن يتحملها.
لماذا إذن تأخرت القرارات حتّى الآن؟ الاجابة الضمنية من الرئيس جاءت بقوله: أنا آتي اليوم وقد انهينا كل ما تبقى من آثار الحادث، فعدد الحالات التي راجعت أول من أمس 6 حالات وبالأمس (حتى ساعة المؤتمر الصحافي) حالة واحدة، وليس هناك أي مريض في المستشفيات، وقد تم تطهير جميع الخزانات والمواسير وإنهاء فحص جميع مصادر المياه والآبار والتأكدّ من خلوها من الطفيليات بما سمح منذ فجر اليوم بعود الضخ إلى مناطق الشمال التي تم ايقاف الضخ لها احترازيا.
والمعنى أن الحكومة لم تكن لتبدأ عمليات ازاحة وإقالة لمفاصل القرار وهي في ذروة التعامل مع الوضع الناشئ, حيث يجب دفع الجميع الى الميدان لمعالجة الوضع المائي والصحّي الذي قال الرئيس أن الحكومة أعطته الأولوية القصوى وأنه حالما سيطرت على الموقف واطمأنت إلى إعادة الأمور الى نصابها أخذت قراراتها التنظيمية بحق من هم مسؤولون معنويا وأدبيا بحكم مواقعهم.
قد يكون لصحافيين ومراقبين رأي آخر، من حيث أن الرئيس كان يربط في تصريحاته ضمنا بين التحقيق في المسؤولية والتقصير واتخاذ الاجراءات، بينما هو الآن قام بما كانت تطالب بها أوساط صحافية باستقالة وزيري الصحة والمياه أو وزير المياه على الأقل، ووعد بصورة حازمة بمتابعة التحقيق من قبل لجنة تم تشكيلها وستتم المحاسبة الحازمة والعادلة في ضوء تقريرها.
مهما يكن فقد تم اتخاذ القرار الصحيح الذي يكرس مبدأ المسؤولية الأدبية للمسؤولين في تسلسلهم الهرمي، وكلما كان الحادث أكبر فإن المسؤولية تصل الى المستوى الأكبر، وفي هذا درس ورسالة بليغة لمن هم في مواقع المسؤولية العليا في العمل العام، فالمنصب العام ليس صدارة وتصدر ووجاهة انه مسؤولية مؤرقة لمن تسند اليه على طريقة الخليفة عمر وهو يقول: "والله لو أن شاة عثرت في أرض العراق لرأيت الله مسائلني عنها يوم القيامة. لماذا لم تمهد لها الطريق يا عمر".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري