قد تكون الإصلاحات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية بوابة ناعمة وربما غير مرئية لتمرير الفساد، حدث هذا في جهات عديدة من العالم وحدث أيضاً لدينا منذ مطلع التسعينيات إلى وقت قريب جداً، فقد تم من تحت جسر الإصلاح الهش تمرير الكثير من الصفقات والتحولات التي دفع ثمنها الناس ومؤسسات الدولة معاً.
حينما يكون الإصلاح مجرد شعار سياسي يُختبأ خلفه ومجرد قصة إعلامية تعلكها وسائل الإعلام ضمن نقاشات لا طائل منها، وحينما يكون الإصلاحيون الذين يتقدمون الصفوف غير محصنين ضد الفساد ونكتشف بعد حين أن قضية الإصلاح ليست همهم الحقيقي يصبح هذا المسار مشوشا ومن دون بوصلة، ما يعني مباشرة الإجابة عن سؤال عاجل كيف تتحصن الدولة وتحصن المجتمع ضد الفساد كمهمة إصلاحية لا تحتاج إلى تأجيل أو انتظار أو تردد.
التشريعات التي تؤسس منظومة قانونية ضد الفساد وتسعى نحو تعميق جذور النزاهة ومأسستها تحتاج أيضاً إلى تعريفات إجرائية واضحة وشفافة لا تكتفي فقط بصرامة الإجراءات ضد صغار الموظفين كما يجري كل يوم، بل تحتاج هذه المنظومة إلى تعريفات إجرائية واضحة تنال الجميع وتحاصر المساحات الرمادية التي مرّرت من خلالها صفقات كبرى، كان لسان حال الحكومات وحتى المراجع القانونية حينها بعدم وجود شبهة بالفساد وحينما توجد الشبهة يصبح وجودها لا يعني وجود الأدلة، وكان هذا الإدعاء واللعب في المنطقة الرمادية كافياً لإغلاق عشرات الملفات.
المشاريع الكبرى توفر بيئة خصبة لازدهار أنماط عديدة غير مرئية من الفساد حيث العقود والاستشارات والعقود الفرعية والمقاولون من الباطن ومن تحت الطاولة ومن فوقها، وهذه البيئة تشبه مرحلة إعادة الهيكلة وبيع العديد من ممتلكات القطاع العام إلى القطاع الخاص، والأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول حول آليات مبتكرة وأخرى قانونية للتحوط ضد الفساد والإعلاء من قيم النزاهة وتوطين التعريفات الإجرائية الدالة عليها بلا مواربة.
وإذا كان من المعروف أن الفساد الإداري يقود حتماً إلى الفساد المالي، وأن ثمة عشرات من أنماط السلوك الإداري وأخرى من السلوكيات التي تمارس من قبل رجال ونساء من كبار وصغار موظفي الدولة تقع في المنطقة الرمادية التي تبدو أمام القانون أنها خارج ما تطاله الشبهات، فإن هذه الممارسات عملياً تحتاج إلى إعادة تعريف واضح وهي المعنية بمدونات السلوك ومواثيق الشرف، حيث يصبح لهذه المدونات والمواثيق قيمتها الفعلية حينما تصبح واضحة تماماً وتوضع موضع القياس بها، وتعد مرجعية للمساءلة ما يجعل لها قوة قد تفوق قوة حرفية القانون.
تنال هذه المنظومة سلسلة طويلة من الإجراءات والسلوكيات تبدأ من تنظيم علاقة الموظف العام بدءاً بالوزير بالقطاع الخاص وبالعقود وبالعمل قبل وبعد الوظيفة العامة وصولاً إلى محصل الضرائب الصغير، وتُعنى هذه المنظومة بالعلاقات القرابية ومنافع الأصهار والأنساب مروراً بتاريخ الولائم والأخذ بالخواطر الذي يتحول في اليوم التالي إلى أجندة مصلحية ونفعيات لا تتوقف.
الإصلاح الذي يُدشن على أُسس متينة ويعد قوة مضافة للدولة لا من أجل إضعافها وإثارة الشبهات حولها، له عنوان واحد في هذه اللحظة؛ إعادة الاعتبار لكفاءة الدولة. وأحد أهم المداخل الأساسية لهذه المهمة التحصن ضد الفساد والتخلص من المنطقة الرمادية التي جعلت البلاد من دون لون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد