القهر الجمعي للناس حين يطفح في حلوقهم فانه وبشكل عفوي ينصب على الممتلكات العامة فيسعون الى احراقها وحتى تدميرها، ذلك ان الملكيات العامة في لحظة سحرية تتحول الى ممثل اول للدولة، ويصبح المواطن في حل من هذه الملكية متناسيا انه هو الذي يدفع اولاً واخيراً ثمنها من عرقه وكده عبر الضرائب وباقي الالتزامات.

وانا كلما رأيت اضراباً يخرج عن المألوف ويبدأ بتدمير الممتلكات العامة وحرقها تحضر الى ذاكرتي تلك العجوز الهولندية التي كانت تجلس وسط الزهور في حديقة عامة ومر من امامها احد السواح العرب وقد لاحظت انه قطف وردة من الحديقة واشتمها وبعد ذلك رماها ارضاً وهرسها بحذائه، فما كان من العجوز الا واوقفته متسائلة عن موطنه وجنسيته فما ان اخبرها انه عربي ثارت ثائرتها وهي تقول له» وهل النفط الذي تستخرجونه من باطن البحر والارض تدلقونه بشكل مجاني وتهرسونه باقدامكم فسارع الرجل الى النفي فما كان من العجوز الا انها قالت له «ان هذه الوردة التي هرستها بحذائك هي نفطنا وعليك ان تحاذر ان تدوس نفطنا بهذه الطريقة المخجلة». بالطبع فان الرجل احرج وانسحب من الحديقة العامة وبسرعة.

هذه العجوز الهولاندية التي تصرفت بمسؤولية تكاد تكون «امنية» وهي تتحسس غيرتها على ملكية الاماكن العامة وتثور ثائرتها تدلل على عمق الوعي في المواطنة والحرص على املاك

الوطن.

عربياً الامر مختلف تماماً يبدأ الفرز في راس المواطن العربي منذ الطفولة حيث تكون قطعة الارض او البيت هي الملكية الوحيدة للمواطن بينما باقي الانجازات من ميادين وساحات عامة وطرق هي من ملكية الدولة ولهذا نلحظ ان المواطن العربي في لحظة التمرد الشوارعي فان اول مايقتص يقتص من الشوارع والدوائر الحكومية والمتاحف.

اننا وازاء مثل هذه المسلكيات بحاجة بالفعل الى اعادة تشكيل نشيد الانتماء من جديد وبحاجة ايضا للعديد من الدارسين والباحثين وحتى الى الفلاسفة لتعليمنا من جديد فقه المواطنة وديدن العلاقة بين الدولة والممتلكات العامة وان شراكة المواطن في الممتلكات هي اكبر من شراكة الدولة بل يكاد يكون المواطن هو المالك الاساس لهذه الملكيات.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور