لا أدري كيف دفعتني زحمة العرس الى ان ادخل مع موكب العروس الى تلك الغرفة الضيقة التي كانت مثقلة بالازدحام والروائح العطرية الساذجة التي كان يتنشقها انفي الصغير، كما لا ادري عن سبب عدم رفع عقيرتي بالصراخ من ذاك الاختناق الذي كان يحاصر جسمي الذي لم يتجاوز عمره آنذاك الخمس سنوات. ربما هي الرغبة الجامحة باكتشاف العوالم التي تزف العروس باتجاه الطاولة التي وضعت خصيصاً لها ووضع فوقها المقعد الخشبي الخاص بالعروس ولقد هالني يومها اقترابي من ربلة ساق العروس حد تنشقها والتمعن ملياً بالحبيبات الطازجة النابتة فوق مساماتها ربما على اثر اقتلاع الشعيرات النابتة فوق الجلد.
كنت اتنقل بنظراتي الصغيرة بين ربلة الساق المتوهجة ووجه العروس الجالسة فوق مقعدها بارتباك واضح وتنقل نظراتي الى زحمة النساء والاطفال وتكاثف تلك العطور الساذجة المبللة بالعرق ومنحي تلك الرائحة التي لا اعتقد انها تكررت في حياتي.
لكني تذكر تماماً كيف لفت حضوري بهذا الشكل نظر العروس التي كانت تتأملني بقسوة بائنة او ربما تفكر بالذكورة المبكرة التي يطلقها مثل هذا الطفل، لكنها فجأة انتبهت ليدي الصغيرة الممدودة فوق طاولتها وكان الكعب العالي كموضة نسائية مازال طازجاً وقد هالني كيف ان الفتاة غافلت عرسها وكل المحتفلين بها وبعرسها ورفعت قدمها قليلاً ومن ثم وضعت حافة الكعب العالي فوق راحة يدي المقلوبة وقامت بهرس يدي بكل ما لديها من قوة بحيث تحولت الهرسة الى علامة او حتى ندبة.
ما حدث بعد ذلك هو اني سحبت جسدي الصغير من بين كل هذا الحضور مسرعاً وسط الزحام بينما الدم ينزف من يدي وحينما خرجت من ضجة العرس بدأت ابحث عن التراب الاحمر الناعم كي اوقف نزيف الدم الخارج من يدي.
مرت سنوات طويلة على تلك الحادثة وصرت كلما رايت عروساً ابدا بالتحديق في حذائها وخصوصاً في تلك الدائرة المعدنية التي تمسك بالكعب العالي من الاسفل متسائلاً عن تلك القسوة التي مارستها معي تلك العروس الغبية
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |