عندما كانت بيوتنا تفتقر للاجهزة الكهربائية من مسجلات وراديوهات وتلفزيونات كان البيت باثاثه المتواضع يعيش وحدة مريرة مع اصحابه ذلك ان الحيز الفيزيائي الانساني كان محسوباً على من يُشغله من حيث ترتيبه في الجلسة بين الرجال ومن حيث طبيعة الصوت وسماكته ومن حيث توزع الاعمار في الجلسة.

وعلى الاغلب كان هناك دائماً مساحة متواضعة لعجوز البيت وباقي النساء اللواتي كن يسمعن هرج الرجال بنوع اللصوصية الاذنية يقابله لصوصية اذنية من قبل الرجال للاستماع للهمس النسوي وتحري ايقاع الهرج عليهن

وفي هذا الاطار كانت قمة المعاناة عند بعض الجالسين انهم لا يمتلكون دربة الطلاقة في النطق وترتيب الافكار ولهذا كانوا يتحاشون ان يصلهم الدور في الكلام وكان يغلب على منطقهم تلك الصيغة الاعتذارية وفن الانسحاب. والضحك حد القهقهة بدون مناسبة

لكن البعض منهم وهو الفنان في السرد وفن الهرج كان يتصدر الجلسة بطبيعة جلسته التي لا يغير شكلها وبطبيعة صوته وبالحركات الزائدة التي كان يقوم بها وهو يضرب برؤوس اصابعه على علبة دخان «الهيشي» او على الولاعة ذات الالتماعة الفضية وكان لعزفه المرافق لحديثه ايقاع السحر في المشهدية.

وكان احياناً وحينما يكتشف انه سبق وان قال مثل هذه الفكرة قبل ايام او او اقل يحاول ان يوقظ قدرة التذكر عند الجالسين. والغريب ان البعض من المريدين كانوا يقبلون بهذا الدور التقزيمي لمهامهم حيث يقيلون على اكمال العديد من الافكار ومن المقولات وكان هذا الدور عند بعضهم يبدو كالنعمة او الاعطية المباغتة من قبل السارد الرئيس.

وفي الايام التي كان يغيب فيه وحدة العائلة عن الحضور كان يبدو الفراغ مشاكساً خصوصاً في تلك المساحة التي اعتاد الجلوس فيها اما في حالة موت السارد فحدث ولا حرج عن يتم الفقدان عند الجميع.

ان الفرق النوعي الذي احدثته الاجهزة الكهربائية في الوصل والاتصال حينما حطت في بيوتنا بكل هذا الثقل التكنولوجي قد افقدنا الكثير من العادات ومن ذاك الثقل الصوتي والحكيم لبعض الرجال حيث كان المطلوب من كل واحد ان يقدم حصته في الحكمة الجماعية التي كانت تبثها مثل هذه الجلسات وفن «هرج» الرجال.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور