باسم الطويسي تستهلك السياسة اليومية جُل الطاقات الوطنية لمراكز صنع السياسات وتستهلك حتى قدرتها على العطاء، حيث تتلاشى المسافة بين مراكز اتخاذ القرار وبين مراكز صنع السياسات. وهي سمة عامة مزمنة في السياسة العامة الأردنية، وعلى سبيل المثال تأكل السياسة اليومية في هذا الوقت الأخضر واليابس من الاهتمام والتركيز الوطني وتتراجع القدرة على بناء الأوليات وتحديد الخيارات في ضوء تلاحق الأزمات الداخلية والإقليمية وضعف النظام الاتصالي في خلق بيئة ايجابية تدعم خيارات وطنية ناضجة. فالملفات تثقل بين استحقاقات سياسية إقليمية، وأخرى محلية تتزاحم فيها أوليات الانتخابات التشريعية القادمة وثقل الملف الاقتصادي، وتوتر تفاعلات مع بعض القوى السياسية، حيث يبدو الإرهاق واضحا على وجوه الناس في تلك المواقع أكثر من المرهقة نفسها. كيف تنجح قضية ما أن تصل إلى دائرة اهتمام صانعي القرار، وكيف تفشل قضية أخرى، وما هي الآليات التي يدار من خلالها النقاش والحوار الوطني حول مسألة ما، وما هي المحددات التي تصنع أوليات أو برنامج عمل النظام السياسي واهتماماته، بمعنى آخر: من هم المسؤولون عن بناء الأجندة في المجتمع والدولة، حيث نستعرض فيما يلي منهج بناء الأجندة في الإدارة الديمقراطية ومنهج بناء السياسات على خلفية ثقل المسؤوليات والملفات الوطنية في هذه المرحلة. تلك الأسئلة وغيرها تنتقل في التحليل من مستوى التحليل النخبوي التقليدي إلى جوهر مستوى آخر بأدوات معرفية مختلفة سوف يفيد في فهم إشكاليات الحالة الديمقراطية الأردنيّة بالاستناد إلى الأدوات العلمية لنظرية (ديمقراطية بناء الأوليات) إذ تُعنى المقولات العلمية لهذا المنظور بمتابعة مسار القضايا التي تطرح، ومعرفة فرص استمرارها وتعاظمها حتى تصل إلى صانع القرار أو اضمحلالها وزوالها. ويعتمد هذا المنظور العلمي لبناء الأوليات عَلى أربع أدوات أساسية تحسم بناء الأجندة بين المجتمع والدولة، وتعمل على تصعيد القضايا العامة وجمع المطالب ومراقبة المخرجات، وأول هذه الأدوات النخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويقصد بالنخب في هذا الإطار التحليلي البحث عن الأشخاص الّذين يملكون القدرة على التأثير في السلطة والمؤسسات التنفيذية والتشريعية بغض النظر عَن وجودهم داخل تلك المؤسسات أو خارجها، وبغض النظر عن المواقع التي يشغلونها أو المؤسسات السياسية التي ينتمون إليها. الأداة الثانية الحاسمة في بناء الأجندة هي النظام السياسي الّذي يحسم فِي نهاية الأمر الأوليات. وعادة يعتمد تعامل النظام السياسي مع الأجندة فِي ضوء قيمه وحاجاته إلى الاستقرار والتوازن؛ أي إن الحاجة إلى الاستقرار والتوازن أولية الأوليات. أما الأداة الثالثة فتتمثل بالنظام الاتصالي السائد وفي مقدمته وسائل الإعلام. والأداة الرابعة هي مؤسسات المجتمع المدني الأخرى من أحزاب ونقابات وغيرها. ولابد من التمييز بين نمطين من أنماط الأجندة؛ أولهما الأجندة المؤسسية أي برامج العمل والأوليات التي تطرح على شكل خطط وبرامج عمل تقليدية تقع ضمن دائرة الاهتمامات والمهام والواجبات التي تطلع بها المؤسسات، في المقابل هناك الأجندة النظامية والتي تطرحها النخب ووسائل الاتصال وربما الجماهير، وفي أوقات التحولات والأزمات تزداد الفجوة بين الأجندتين، وأحياناً كثيرة يظهر صراع الأجندات داخل إطار الأجندة النظامية ذاتها وبين رموزها وعادة ما تكون وسائل الاتصال ميداناً لهذا الصراع وطرفاً فيه. يبدو السؤال المهم الّذي يقفز إلى ذهن الباحث فِي نظرية ديمقراطية بناء الأوليات، يدور حول من يصنع الأجندة السياسية ومن يؤثر فِي عناصرها؟ إنّ الديمقراطية تعمل عَلى تقليص حدة الصراع الاجتماعي من خلال التقريب بين مفاهيم المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية، وجوهر العدالة يكمن في المؤسسية والقانون؛ أي كفاءة الإدارة وفعاليتها، بهدف الوصول في نهايـة التجريب إلى مستوى من الصراع حول تفسير النسق دون أن يطالب أحد بتغيير هذا النسق؛ أي نسف هذا النسق من أساسه، كما نلمس في المعارك الانتخابية فِي أوروبا على سبيل المثال. ووفق مدخل بناء الأوليات، نجد ان التنمية السياسية الأردنيّة قد وصلت إلى درجة معقولة نسبياً من النضج لدى أطراف المجتمع المتمثل في استقرار النظام السياسي والاتفاق العام حول هيكله الملكي الوراثي النيابي، في حين ما تزال الدرب طويلة نسبياً في الوصول إلى اتفاق داخل المجتمع حول القيم الفرعية للعمل السياسي داخل هذا الإطار، ومن هنا يحتدم صراع الأوليات والبرامج. المرحلة الراهنة من عمر الحياة السياسية (الأردنيّة) تتطلب إلى جانب إدراكها بأولية الاستقرار والتوازن أولية مأسسة الفرز بين مراكز اتخاذ القرارات وإدارة السياسة اليومية من جهة وبين مراكز صناعة السياسات من جهة اخرى؛ هذه الأولية تتيح المزيد من الوقت والطاقة للتفكير الجاد والموضوعي بالأوليات. 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري