اذا أردت أن "تتبلّى" شخصا ما وتسجنه، فليس عليك سوى الذهاب الى مستشفى خاص، حيث تدّعي بالاعتداء عليك وترفع شكوى ليتم القبض على "الجاني" وإيداعه السجن حتى اشعار آخر أو لحين المثول أمام المدّعي العام.
كنت أسمع عن هذا حتّى رأيته بأم عيني بين أقارب لي.
ففي اجتماع يتعلق بالانتخابات حدثت ملاسنة وشجار خفيف لم تترتب عليه أضرار وكان يفترض أن ينتهي الأمر عند هذا الحدّ. لكن أحد الطرفين قرر أن يقدّم شكوى للأمن ودخل المستشفى، فردّ الطرف الآخر بنفس العمل من باب الاحتياط، أي تقديم شكوى ودخول المستشفى لأن البديل الفوري هو السجن. وكان الحلّ الوحيد للخروج من المستشفى الى البيت وليس السجن هو الصلح وإسقاط الشكوى من الطرفين معا، وهو ما لم يحدث؛ لأن أحد الطرفين أصرّ على شكواه.
هل يعقل هذا؟ لقد سمعت ضبّاطا ومسؤولين يشكون من هذا النظام غير المنطقي، وأنا لم أكد أصدق أن الأمور تجري بهذه الطريقة حتّى رأيت ما يحصل فعلا!
التوقيف ليس بالأمر الهيّن، والأصل في هذه الحالات أنه اجراء احترازي لمنع ضرر أفدح، وفي الشكاوى المتعلقة بشجارات لا تحدث فيها اضرار جسديّة جسيمة، يمكن في نفس اليوم أن يتمّ التوقيف وأخذ الأقوال والتحقيق وإطلاق سراح المعنيين بكفالة، مع تعهّد بعدم تعرض طرف للآخر لحين إحالة الأمر الى القضاء. ولا بأس من توقيف شخص مارس الاعتداء الجسدي المُبيّت على آخرين، لكن إذا لم يقبض عليه بالجرم المشهود، أو لم يكن الاعتداء موثقا بصورة يطمئن لها الأمن فكيف يجوز توقيف المشتكى عليه على الفور، وقد تكون الشكوى ظالمة؟ لا تكفي أقوال المشتكي وحدها ولا التقرير الطبّي الأولي، فلو ادّعى المراجع بوجع لدى أي مستشفى خاص سيقوم طبعا بإدخاله ولن يأسف المستشفى لإقامته مهما طالت ما دام يدفع وسيعطيه تقريرا أوليا وفق ما يدّعي الشكوى منه.
هناك تنوع كبير في طبيعة الحوادث والاجراء الواجب اتخاذه، لكن لنقل في حالة محددة مثل تقدم شخص بشكوى وقوع اعتداء عليه من الغير فالمنطقي أن يتم استدعاء المشتكى عليه والتحقيق معه وضمان بقائه تحت الطلب (وليس في السجن!) لحين النظر بالأمر من القضاء، وما يحصل عندنا في هذه الحالات أن المشتكى عليه يسارع على الفور لتقديم شكوى مضادّة لأنه إذا لم يفعل سيكون وحده الضحيّة، أي أن الآلية السائدة تكافئ من يتشاطر وتظلم من يتصرف باستقامة.
لا أعرف اذا كانت هذه الآلية واردة في قانون أو نظام أو تعليمات، لكنها وفق اجماع الآراء غير منطقية وينبغي تعديلها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري