وليلى المقصودة هنا هي المؤسسة الرسمية التي يهمس كل مرشح أنه نال وصالها، والمشكلة أن المؤسسة الرسمية لا تستطيع أن تصدر تصريحات نافية لكل ادعاء يهمس به هنا وهناك.
ليس هذا بالأمر الجديد مع أن المرشحين الأكثر جدّية وثقة لا يلجأون لهذا الأسلوب، لكن هذه المرّة نلاحظ توسعا ملفتا في ادّعاء مرشحين بأنهم يحظون بدعم الدولة وحصلوا على ضوء أخضر من الجهات المعنية! الى جانب الظاهرة الأخرى المقلقة وهي التوسع في استخدام المال.
فيما مضى كان المرشح يجهد لنفي "تهمة" كونه مرشحا حكوميا بل إن آخرين كانوا يجهدون لإثبات خصومة الحكومة لهم وسعيها لإسقاطهم واذا ما حصل أحدهم على أي واقعة متواضعة قد تدلّ على ذلك فهو يشهرها ويروج لها وقد تكون تذكرته لنيل التعاطف والشعبية ورفع منسوب أصواته وربما النجاح. وها قد وصلنا الى الوضع النقيض أي تنافس المرشحين على ادّعاء أنهم يحظون بدعم الدولة وأنهم خيارها في هذه الدائرة الانتخابية أو تلك.
يمكن افتراض أن هذا التحوّل يعكس تغيرا في المزاج العام، حيث لم يعد الخطاب المعارض يحظى بالشعبية، ولا بأس اذا كان الأمر كذلك فعلا فالجمهور تعوّد على لهجة نقدية ومعارضة صاخبة خلال الحملات الانتخابية تتلاشى كليا على مقعد النيابية وتظهر موسميا بمناسبة الخطابات المتلفزة. لكن هناك ظاهرة خطيرة اخرى هي تراجع الثقة بالانتخابات ولسان الحال السائد أن "الدولة تنجّح من تريد"، ومع أن المرشحين يبذلون كل جهد في حشد الأصوات فهم على ما يظهر يعتقدون بضرورة تأمين الجبهة الخلفية ايضا، وأن يكونوا مقبولين من الجهات المعنية، وأن لا يكون هناك خيار آخر بديل لهم.
على المسؤولين تجنب هذا الاغواء الذي يصنعه المرشحون، بأن المسؤولين يصنعون النواب، وأن الكل يبحث عن وصلهم، واذا لم يكن ممكنا الردّ على كل اشاعة أو ادّعاء من مرشح يمكن إصدار تصريحات إجمالية وتكرار التأكيد على الحيدة وأن كل المتنافسين سواسية، وتحذير كل مدّعٍ من المساءلة القانونية.
الأغلبية الساحقة من المرشحين هم مستقلّون، ليس بينهم تباين سياسي حقيقي، بل تفاوت شخصي في الكفاءة والحضور والأهلية. ويجب أن تعبّر النتائج بدقّة عن خيارات الناخبين لتعزيز الثقة بالمشاركة وبالانتخابات. فالخطورة الاستراتيجية من سيادة الإحساس بانعدام الدور، وأن النواب هم من تريدهم السلطة، تكمن في تضاؤل دور البرلمان في امتصاص الصدمات وحماية مؤسسات السلطة. فالبرلمان يجسّر الفجوة بين السلطة التنفيذية المضطرّة غالبا لقرارات غير شعبية وبين الشعب. أما اذا كان البرلمان يعبّر ايضا عن إرادة السلطة التنفيذية وليس الشعب فإننا بذلك نقوّض الدور الثمين للبرلمان في دعم الاستقرار والتمكين السلمي لدور الشعب في زمن الأزمات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري