لا يعنينا معاقبة المديرين والمسؤولين المحليين بسبب تلوث المنشية، فهذا التقصير الذي كشفت عنه لجنة التحقيق وقررت في ضوئه التوصية إحالة عدد من مديري وموظفي الصحّة والمياه المحليين الى التأديب، هذا التقصير لا بدّ أنه سائد في أماكن أخرى، وشاءت الصدفة ان يكون الحادث في محافظة المفرق لينكشف التقصير هناك.
ولنبدأ من النظام الذي يقضي أن يقوم مراقبو الصحّة بفحص دوري ثابت على كل مصادر ونواقل وخزّانات المياه. لقد ظهر للجنة أن هناك تقصيرا في أداء هذه المهمّة ناهيك عن نقص الكادر المطلوب للقيام بها، فهل الوضع غير ذلك في المحافظات الأخرى أو بعضها؟ ثم أن التقارير الدورية عن هذه الفحوص تُرفع الى المركز, فهل كان المسؤولون في مركز الوزارة يتابعون الأمر، وكذلك مَن فوقهم في المسؤولية بالتسلسل وصولا الى الأمين العام؟ ولا نقول الوزير فقد دفع الثمن وغادر!
اذا كان المسؤولون قد وجّهوا كتباً الى الأسفل تنذر المقصّرين الذين لم يقوموا بواجبهم وكتباً الى الأعلى تنبّه الى نقص الوسائل والإمكانات وتطلب توفيرها فلا لوم عليهم، لكن اذا ثبت أنهم لم يفعلوا فتقصيرهم أفدح من تقصير المسؤولين المحليين المباشرين. واللجنة لا تقول اذا كانت قد فحصت هذا الأمر.
بالنسبة للمياه؛ فالمسؤولية المركزية أوضح وقد تمّ تدفيع المسؤولين الثمن عن عدم اعطاء الأولوية لإصلاح أو تبديل شبكة المياه في المنطقة، رغم الكتب والمخاطبات المختلفة، لكن هناك مسؤولية كبيرة تتوزع على مواطنين من جهة وعلى كادر وظيفي متقاعس وبطيء الاستجابة للشكاوى المتعلقة بالأعطال، ناهيك عن ممارسة دور خلاّق ومبادر في البحث عن وسائل حلّ لمشكلة اقدام مواطنين على ثقب مواسير المياه عمدا لسقاية المواشي واستعمالات أخرى.
من المؤكّد أن مسؤولين آخرين افتقروا الى الحزم في معالجة هذه التجاوزات الدائمة والمعروفة من ابناء المنطقة. وكما يقول التقرير فقد كانت المواسير تتعرض تكرارا للثقب وتُعالج بنفس الطريقة وتزداد مع الوقت اهتراء دون أن يتقرر لمرّة واحدة القيام بمعالجة جذرية للموضوع، و"الحال من بعضها" في الكثير من الدوائر والمؤسسات حيث لا يشعر أي واحد أنه مسؤول حقا عن الأمر، كما لو أن القضيّة في بيته.
هي بالطبع قضيّة ثقافية اجتماعية ايضا، لكن قول ذلك فقط يصلح للتبرير والتنصل من المسؤولية، فالاصلاح والتغيير الثقافي يبدأ بالحزم وبالردع لفرض السلوك الذي يتكرّس مع مرور الوقت كقيمة وثقافة اجتماعية, ويبدأ هذا من أعلى قمم المسؤولية أي من الوزراء الذين خاطبهم الملك قبل ايام بكثير من الحزم والحسم لأنه يستشعر بغضب استمرار هذه الحالة من الترهل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري