بالتزامن مع المعلومات التي كشفتها تحقيقات دولية مستقلة حول ضعف الضمانات الأمنية وربما شبهة تورط للسلطات الباكستانية في حادث اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو، أصدرت ابنة شقيقتها فاطمة بوتو كتاباً تروي فيه قصة واحدة من أشهر عائلات الشرق الإسلامي في السياسة والقتل والتضحية والتآمر والفساد.
الكتاب الصادر في لندن ونيودلهي بغلاف أنيق يحمل اسم "أغنيات الدم والسيف"، أخذ عنوانه من قصيدة لشاعر إيراني يساري (خوسرو غولسورخي)، الذي انتصر السيف على دمه حينما أعدم في بلاده لمناهضته الفساد والنفاق. يروي كتاب فاطمة بوتو قصة الأسرة والأمة والشرق والصراع حول الخيارات الحاسمة، ويحكي تاريخ الحزن والدم الذي سطر الأيام الباكستانية المعاصرة، وحكاية أخرى غاية في النبل لتعلق فتاة بأبيها (مرتضى بوتو) الذي قتل في جوار منزل العائلة عام 1996، حينما كانت فاطمة، في سن (14) من عمرها، تختبئ بين ملابس والدها، حينها ارتفع صوت الرصاص خارج المنزل ثم تبعه صراخ شقيقها الرضيع، حينها كان السيف قد انتصر على دم والدها وقتل مع ستة من مرافقيه.
عائلة بوتو تعد أنموذجاً واضحاً للعائلات السياسية المثيرة للأسئلة في العالم الإسلامي وفي الدول القلقة كنموذج الباكستان، حيث تمثل نموذج العائلات ذات الإرث السياسي المعاصر، التي ليس لها جذور ارستقراطية عميقة في التاريخ، بل إن ارثها المعاصر شيد على ما توفر لأبنائها من فرص في التعليم والمؤسسات العسكرية والاقتصادية، وما أتيح لها من فرص للاتصال مع الغرب. ونماذج هذه العائلات التي لا تتوقف على الباكستان وحدها، بل تحتاج إلى مراجعة علمية جريئة، فلا شك أنها دافعت عن مشاريع حداثة مجتمعاتها وكانت لديها مضامين ديمقراطية وتقدمية، ولكنها في الأغلب وقعت في فخ الفساد أحياناً وفي لعبة العلاقات القرابية وصراعاتها أحياناً أخرى.
يقدم كتاب "أغنيات السيف والدم: ذاكرة ابنة" تفاصيل حوادث القتل والاغتيالات التي لونت تاريخ واحدة من أكبر دول العالم الإسلامي بدماء لم تنقطع، دفعت عائلة بوتو فيها حياة أربعة من رموزها. وعلى المستوى الإنساني تقود المؤلفة القارئ إلى إدراك حجم بشاعة السياسة حينما تصبح قيمة الحياة لا تساوي شيئاً، حيث أعدم جدها ذو الفقار بوتو (52) عاماً عام 1979، الذي تولى منصب الرئيس ورئيس الوزراء، وقتل عمها شاهناوار (27) عاماً في حادث غامض عام 1985، وقتل والدها مرتضى بوتو (42) عاماً برصاص الشرطة الباكستانية عام 1996، حينما كانت عمتها رئيسة للوزراء، فيما قتلت تلك العمة بناظير بوتو في حادث تفجير سيارتها عام 2007.
في منتصف التسعينيات أصدرت عمتها الراحلة كتابا احتل شهرة واسعة بعنوان " ابنة الشرق"، تروي فيه تفاصيل صراع العائلة والسياسة والرحيل بين العواطف والمصالح وحرصها على خوض معركة تحديث الباكستان وحماية هويته في الوقت نفسه، فيما كان صراع القيم بين السياسة والحلفاء أكبر من العائلة مشروع التحديث ودفعت ثمنه العمة والعم والجد والأب.
فاطمة بوتو تقول في ذاكرتها الشابة إنها تحقق حلم أبيها بأن تصبح كاتبة جريئة، وهي تشير في مؤلفها إلى زوج عمتها الذي يحكم البلاد حالياً بأنه قاتل والدها، ولا تكتفي بذلك بل ترتدي الساري الباكستاني وتشهر كتابها من الشارع نفسه الذي قتل فيه والدها قبل (14) عاماً.
على قدر ما يشهده العالم الإسلامي من مشاعر حادة ومضطربة منذ ثلاثة عقود آخذة في التصاعد مع الزمن، يشكل المجتمع الباكستاني الحالة الأكثر وضوحاً والأكثر حدة في الوقت نفسه في التعبير عن الصراع حول القيم. إنها معركة شرسة ومؤلمة تختلط فيها الأوراق والدماء والتضحية والفساد والتآمر والهوية والتحديث، حيث أخذت الكثير من الدوائر الاستراتيجية الغربية تدرك كنه الصراع ومضامينه الحقيقية. ألم يقولوا إن معركتنا في الباكستان وليست في أفغانستان؟
قلبي مع فاطمة، فالمعركة حول القيم في أوجها وزوج عمتها، زرداري، يوجد في هذا الوقت على رأس السلطة.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد