بمرور عام على الحملة الصحافية التي نفذتها صحيفة "الغـد" بعد حادثة اختفاء الطفل ورد في إحدى قرى الشمال ، وعدم عودته إلى منزل والديه تكون الصحافة الأردنية قد فتحت باباً واسعاً نحو "صحافة الاهتمامات الإنسانية" التي تفتقدها الصحافة الأردنية والعربية على حد سواء.
وعلى الرغم من المعلومات المتناقضة ورواج الإشاعات واستمرار افتقاد الحقيقة حول مصير الطفل المفقود، فان المعالجة الصحافية والإعلامية بشكل عام، التي تابعت الحادثة تحتاج إلى توقف ومراجعة، فمحاولة صحيفة "الغد" أن تبقى الحادثة حاضرة لدى الرأي العام وأمام المؤسسات المسؤولة، نالت هذه المسألة بحد ذاتها نقاشات واسعة بين مؤيد ومعارض، في الوقت الذي أسهمت فيه وسائل إعلام أخرى بتحويل الحادثة إلى موئل لنشر الإشاعات والإدعاءات وتضليل الرأي العام؛ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مدى جاذبية الحوادث الغامضة لمثل هذا النمط في كثافة تدفق المعلومات وسهولة تشويهها أو اختلاقها.
حملة صحيفة "الغـد" اتسمت بثلاث سمات أساسية: أولاً الخروج بالحادثة من دورة حياة الخبر التقليدية وتداعياتها نحو تحويل الموضوع إلى قصة ساخنة على مدى عام كامل، وهذا ما يلمس وفق معيار شدة الاهتمام وحجم المحتوى الصحافي الذي ناله الموضوع، وثانياً شدة الحضور الذي جسدته الصحيفة بالعدّاد اليومي الذي استمر على مدى عام وأبقى الحادثة حاضرة في الوعي العام بجرأة وإصرار، وثالثاً تواضع الجهد الاستقصائي حيث لم يلمس القرّاء جهودا صحافية استقصائية في قضية غامضة تحتاج إلى التحري الصحافي المستقل، وربما للصحيفة أسبابها في عدم الخوض في تفاصيل قضية حساسة لم تنفض الأجهزة الأمنية يديها منها بعد.
في المحصلة تبدو خلاصة الملامح السابقة في أن الحملة الصحافية التي كان لها تأثير مجتمعي كبير في إدارة نقاشات الرأي العام ، وجعل هذه القضية المأساوية لأسرة صغيرة حاضرة في الوعي العام ومؤرقة للرأي العام، وحولت الموضوع من باب الحوادث في الصحافة التقليدية إلى منظور الاهتمامات الإنسانية في الصحافة المعاصرة؛ ففي البحث عن الطفل المفقود عثرنا على واحد من أهم مجالات الصحافة المفقودة لدينا والتي تحتاج إلى المزيد من العمل والمهنية والتأهيل.
تعد صحافة الاهتمامات الإنسانية اليوم مدخلاً أساسياً في الإعلام الإقناعي وهي أكثر أنواع الصحافة تأثيراً وقدرة على لفت الانتباه وخلق التركيز في الرأي العام، يحدث ذلك في معالجات هذا النمط الصحافي في أوقات السلم والحرب والكوارث والحوادث اليومية والمناسبات العامة وقضايا الفئات الخاصة وفي المتابعات التنموية وفي تغطيات الفقر والجوع، فلقد كانت أكثر القصص الإخبارية تأثيرا في التغطيات التي تناولت حوادث كبرى مثل تسونامي المحيط الهادي أو حرب جورجيا أو حرب غزة وحتى زلزال هايتي هي تلك القصص التي ركزت على الاهتمامات الإنسانية.
وتشير العديد من الدراسات أن الاهتمامات الإنسانية هي مدخل المحلية الإعلامية، ولا نستغرب أن الموضوعات الإنسانية تحتل الترتيب الأول في اهتمامات الصحافة البريطانية المحلية والإقليمية كما ذهبت إلى ذلك دراسة ( Karen Ross, 2007 ) التي أجريت على ثلاث صحف إقليمية وكشفت عن أن الاهتمامات الإنسانية تحتل المرتبة الأولى لديها، ويبدو ذلك الاهتمام أيضاً في انتشار عشرات النوادي والجمعيات للصحافة الإنسانية وإطلاق جوائز عالمية لهذا النمط من الصحافة.
الصحافة الأردنية بحاجة إلى تطوير منظور محلي للاهتمامات الإنسانية نحو الوجه الآخر للأحداث بإعادة اكتشاف الإنسان وسط مكانة الأحداث القاسية، ووسط دورة حياة الخبر القصيرة التي أول ما تطحن الإنسان، فهل تكون "صحافة ورد" بداية للعثور على الإنسان في الصحافة الأردنية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد