شهد يوم السبت الفائت - ثاني أيام العيد- وقوع اربعة قتلى فقط، وهو أدنى عدد من الضحايا في يوم واحد منذ غزو العراق، كما نقلت وسائل الاعلام فرحة أهالي الأنبار بيوم هادئ لم يشهد سقوط ضحايا، حيث أمكن لهم أن يحتفلوا بسلام وينعموا بفرحة العيد لأول مرّة بعد أن تمّ تحرير المنطقة من هيمنة القاعدة، ويعتزّ الأهالي أنهم حفظوا الأمن بأيديهم وليس بيد قوات الأحتلال.
هذه الحقيقة أثبتت أمرا في غاية الخطورة، وهو أن الأحتلال لا يحقق الأمن، وأن القاعدة تهزم على يد أبناء البلد فقط، وتضعف حالما تفقد الحاضنة الأهلية، وقد تحولت المناطق السنّية الى قواعد راسخة للقاعدة عجزت أمامها قوات الاحتلال الى أن عاف الأهالي السلطة القمعية والدموية للقاعدة وممارساتها الاجرامية، فقرروا الانتفاض عليها وأخذ قضيتهم بيدهم، فتمنكوا في فترة قصيرة من ازاحتها وتحولت الى جهة معادية تتسلل بصعوبة لتنفيذ جريمة اغتيال أو تفجير بحق المدنيين.
مرد الاستثناء في يوم السبت الماضي، أنه في اليوم التالي ارتفع عدد القتلى إلى 15 قتيلا، بيد أن المعدّل العام في الأسابيع الأخيرة لعدد القتلى يشهد انخفاضا ملموسا يراوح بين 30% الى 50% مقارنة مع المعدّل الذي كان سائدا وهو بين 60 الى 100 قتيل يوميا. ولا نريد التسرع في الأستنتاج، لكن المذبحة بدأت تستهلك نفسها بفعل عدة عوامل، أحدها على الأرجح استنفاد عملية التطهير والفرز الطائفي، ثمّ تغيّر المعادلات داخل كل معسكر، مع استهلاك المواجهة مع المعسكر الآخر.
هناك تحولات ملموسة داخل المعسكر السنّي، تتمثل بانكفاء القاعدة وتقلص امداداتها الخارجية، وبروز دور العشائر الميداني لتحقيق الأمن الذاتي، ونبذ الاعتداءات الطائفية التي ترمي الشيعة في احضان القوى الايرانية. ولعل نجاح هذه التجربة انعكس ايجابا في الوسط الشيعي، وترافق الضغط على ايران مع مخاوف اطراف الائتلاف الشيعي من تحول في الموقف الأميركي، فقد ذهب الحكيم أول أمس متوددا لشيخ مشايخ الانبار احمد ابو ريشه، وقد لاقت دعوته للتسريع في اقامة الاقليم الشيعي مقاومة شيعية واسعة.
أمّا على الجبهة الكردية فهناك استنفار عام في مواجهة التهديدات التركية التي لا تستهدف حزب العمّال الكردستاني فحسب، بل تهدد ايضا بمخاطر الانفصال الكردي وعودة السلطة الكردية للاحتماء بشرعية الدولة العراقية.
ليس للأميركان حق في التوهم بأن الخطّة الأمنية وزيادة عدد القوات أثمرا في تراجع العنف فقد يكون هذا سببا اضافيا، لكنه مؤقت، وغير فاعل من دون التحول في موقف القوى العراقية التي تغيرت أولوياتها، مع مخاطر النفوذ الايراني وتقسيم البلاد والحرب الأهلية.
أخيرا، يمكن استثمار انخفاض العنف من أجل مسار سياسي جديد يصحح أخطاء الماضي الكارثية، ويضع في الأفق صورة لا لبس فيها لجلاء الاحتلال.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري