لا اعتقد أن معاندة الحكومة لرقابة منظمات المجتمع المدني على الانتخابات سببها نيّة التزوير، فلا شيء يحتاج الى التزوير بوجود ما لا يزيد على 30 مرشحا فقط محسوبين على المعارضة من اصل تسعمائة مرشح ونيف الفروقات بينهم شخصية وليست سياسية.
التقدير الذي  يتوافق عليه الجميع ان الانتخابات إذا شهدت خروقات فهي ستكون موقعية من انصار المرشحين، ومن قد يتعاطف معهم من المشرفين على الانتخابات. وعليه فإن وجود مئات من المراقبين المستقلين من منظمات المجتمع المدني يزود الحكومة بعيون أخرى لمراقبة المسار الانتخابي ونقل ظواهر ترافق الانتخابات بما في ذلك سلوك المرشحين والناخبين والآليات المستخدمة لضمان الأصوات "المشتراة" وظواهر أخرى تؤثر على سرّية وحرّية الانتخاب.
أعتقد أن  مشكلة السلطة الحكومية هي في الواقع "ثقافية"، أعني الغطرسة المقصودة لذاتها والمبنيّة على تقاليد الغيرة على هيبة السلطة وولايتها على الشأن العام؛ فالجهات المسؤولة تخشى أن يعطي القبول بـ"رقابة" أهلية على عملية تديرها الدولة  تنازلا لجهات غير مخوّلة يغريها بمزيد من التطاول على سلطة الدولة وهيبتها وولايتها، والتذرع بنصّ القانون يأتي في السياق نفسه. القانون ينصّ على حق المرشحين في وجود مندوبين لهم في غرف الاقتراع لكنه لا يمنع الحكومة من قبول رصد آخرين للعملية الانتخابية، ومن المفهوم أن المراقبين لا يتمتعون بحق الاعتراض مثل مندوبي المرشحين فوظيفتهم هي الرصد فقط، لكن هذه الوظيفة يجب ان تتيح لهم  سؤال مندوبي المرشحين عن ملاحظاتهم على سير العملية الانتخابية.
قبلت الحكومة الآن رقابة منظمات المجتمع المدني تحت مظلة المركز الوطني لحقوق الانسان لكن  بعدّة قيود فالعدد لن يتجاوز 150 عنصرا وسوف يسمح للمراقب أن "يُطِلّ" فقط من باب الغرفة ولا يوجه أي سؤال أو يتحدث مع أي من الحضور.
وقد خطرت لي طريقة للالتفاف على قضية العدد بتوجيه نداء للمرشحين باعتماد مراقبي الائتلاف المدني مندوبين لهم في غرف الاقتراع، وهكذا يستطيعون الجلوس براحتهم في الغرفة وللوقت الذي يرغبونه! والحال ان الكثير من المرشحين لا يملكون عددا كافيا من المندوبين لجميع الصناديق وحتّى لو كان عندهم فهم لا يفضلّون تجميدهم طول النهار في غرف الاقتراع ويحتاجونهم لمتابعة إحضار الناخبين.
حجّة الحكومة بعدم إعاقة العملية الانتخابية لا تصمد، فعدد المرشحين في كل دائرة هو بالعشرات ولو أرسل كل واحد مندوبا لازدحمت الغرف بعدد يراوح بين عشرة وخمسين مندوبا.
شدّ الحبل حول هذه القضية لا معنى له وكان يمكن قبول الرصد المدني بكل أريحية ومن دون قيود العدد والحركة، والشيء الوحيد الذي نؤيد الحكومة فيه هو اعتماد جهة واحدة كمظلّة تضم جميع منظمات المجتمع المدني التي تريد المشاركة في الرقابة، حتى لا تتحول هذه المهمّة الى بازار لدكاكين المهتمّين بالتمويل من المنظمات الدولية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري