في الأسطورة الشعبية المعروفة في أرياف بلاد الشام يحكى أن رعاة طالما أضاعوا القطيع وهم يتابعون حركة الشمس فوق رؤوسهم ذهابا وإيابا اعتقادا منهم أن الشمس تلاحقهم أينما حلوا، وفي نهاية النهار يعودون بنصف القطيع.
وفي اليوم التالي يرجعون لممارسة الملهاة نفسها وكأن شيئا لم يكن، في مثال رعاة بلاد الشام التاريخية كانت الشمس هي صانعة للعبة الملهاة وفي الشرق الأوسط المعاصر يبدو أن الرعاة أنفسهم هم صناع الملهاة.
عودة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة بعد مسلسل من التملص والمناورة الإسرائيلية من الالتزام بأدنى الشروط الدولية لن تقود سوى إلى حلقة جديدة من الملهاة، سوف نلاحظ بعد قليل كيف ستعمل الدبلوماسية الإسرائيلية على توسيع قاعدة الرعاة وتبديل الأدوات فيما ستدور الدائرة حول الرؤية الإسرائيلية القائمة على شراء الوقت من أجل تغيير الوقائع على الأرض.
ارتبطت مسارات الصراع والتسوية حول فلسطين بالرعاة الدوليين الذين أداروا المناورة التاريخية بكل فصولها وتبدلت هوياتهم من مرحلة إلى أخرى، فيما يبدو أن الفصل الأخير يشير إلى حراك إسرائيلي لتوسيع دائرة الرعاة؛ أي إعادة إنتاج الملهاة من جديد وآخرها الرغبة الإسرائيلية بتنظيم مؤتمر دولي جديد للتسوية ترعاه روسيا.
على مدى أربعة عقود مضت كانت الدول العربية المركزية بمثابة الخيول الفتية الجامحة التي تركبها أطراف النظام الدولي في إدارة الصراع الإقليمي، وفق محددات مصالحها، حيث أعيد تشكيل النظام الإقليمي أكثر من مرة وفق نواميس وطقوس الرعاة في سنوات الحرب والسلم وليس بمحركات أصيلة نابعة من الداخل.
نشأ ذلك النظام وازدهر على القضية الفلسطينية وانكمش ودب به الضعف بسبب القضية الفلسطينية، وافتقد في أكثر من مرة الوظيفة القيادية بسبب هذه القضية.
وعلى الرغم من عظم الحادثة العراقية الكبرى في الاحتلال والمقاومة، فقد بدا للوهلة الأولى خلال السنوات الخمس الماضية أن القضية العراقية تعيد تشكيل الإقليم، بينما تنسحب تداعيات الصراع التقليدي من دورة حياة الأخبار والأجندات السياسية. يبدو أن إعادة تشكيل قواعد العلاقات الإقليمية ليس بطريقة الاستقطاب والاصطفافات وحسب، بل في وزن الأدوار التي يعاد ترتيبها على عقارب الصراع التقليدي الذي بقيت إدارته ملهاة ومأساة في الوقت نفسه.
يبدو اليوم أن مساحة المناورة أمام أطراف المعادلة الإسرائيلية باتت أوسع من قبل، وأصبح بإمكان إسرائيل التكيف مع أي تطورات وإعادة هضمها من دون أن يؤثر ذلك على الوقائع السائدة.
الذهاب إلى المفاوضات غير المباشرة يذكرنا بآخر مناورات عهد الحكومة الإسرائيلية السابقة، وهو ما ذهبت إليه الصحيفة الإسرائيلية هآرتس في ذلك الوقت حينما وصفت الذهاب إلى "انا بوليس " بانه لا يعدو أكثر من مجرد مناورة لتوفير الأوكسجين لحكومة أولمرت.
الوصف التقليدي الذي طالما وصفت به المجتمعات العربية من قبل الكتابات الغربية والصهيونية بأنها مجتمعات رملية لا تبني تراكما حقيقيا، بل ذرات فسيفسائية إن اجتمعت فهي كثبان من الرمال المتحركة التي لا تبني ولا تستقر، هذا الوصف الشيق والمؤلم أكثر ما ينطبق اليوم على مسار التسوية والرؤية الإسرائيلية التي تحركه؛ كثبان من السياسات والمبادرات والتسريبات والتوقعات التي لا تقوى على التراكم ولا البناء ولا التقدم. السياسة في الشرق الأوسط بالفعل كثبان من الرمال المتحركة لا عنوان لها.
منحنى تطور الأحداث قد لا يستقر عند حدود خلط الأوراق الفلسطينية، بل قد تصل الأحداث الى خلط الأوراق الدولية، وهذه قصة ملهاة الرعاة والوسطاء الدوليين منذ أيار قبل 62 عاما الى أيار المفاوضات الجديدة، ثم سيجد الجميع فجأة كيف سوف تنتقل إسرائيل الى مرحلة دبلوماسية البحث عن اعتراف عالمي بأن الحل النهائي قد تم على الأرض.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد