حينما تعجز موازين القوى عن تحقيق حد أدنى من الردع الاستراتيجي تصبح المقاومة المدنية النوعية هي الخيار الاستراتيجي الممكن، والطريق التي تقود إلى تسويات تاريخية حاسمة، وتحديداً في الصراعات التاريخية المعقدة مثلما هو الحال بين العرب والإسرائيليين، فيما تثبت الوقائع عبر التاريخ أن لكل تجربة من تجارب الشعوب في النضال والمقاومة المدنية خصوصيتها وإدارتها وحلولها التاريخية المبدعة.
وكما أنه لا يمكن نسخ تجارب المقاومة المدنية في الهند أو جنوب أفريقيا أو ايرلندا فان المشترك الكبير، في القدرة على جعل العالم يقاوم، فالمقاومة تتجسد في خلق أنماط مبدعة وتراكم نوعي يحول قضية التحرير والنضال إلى قضية إنسانية عظيمة، تحتمي بقوة العالم والإنسانية كما تفعل في هذا الوقت قوافل وأساطيل فك الحصار عن غزة.
المقاومة المدنية النوعية ليست مجرد خطابات وشعارات أو حتى مقاطعة تقليدية، إنها الحلول التاريخية النوعية التي تبني قضية التحرر على المشترك الإنساني العظيم وهو ما نجحت به الحركة الصهيونية بأدوات التضليل منذ مؤتمر هيرترل الشهير إلى سنوات قليلة مضت وفشل فيه العرب منذ بدء قضية فلسطين إلى اليوم.
ثمة تحولات عميقة، وان كانت غير واسعة، أخذت تشهدها جهات متعددة من العالم منذ سنوات قليلة تقود نحو عولمة المقاومة المدنية ضد آخر الاحتلالات والكيانات العنصرية في التاريخ، تبدو محاولات فك الحصار عن غزة عبر سفن حركة التضامن العالمية وحركة الاحتجاج والمظاهرات التي شهدتها العديد من العواصم آخرها، والذي لا يقل أهمية عنها أنشطة مقاومة نوعية أخرى أخذت تنمو خلال السنوات الأربع الماضية، منها حركة الأكاديميين في العديد من الجامعات الأوروبية وعلى رأسها الجامعات البريطانية ومقاطعتهم للجامعات والمجتمع الأكاديمي الإسرائيلي، وحركة ناشطي حقوق الإنسان والقانون والمحاولات العدائية للملاحظات القضائية للقادة الإسرائيليين إلى جانب بعض التحولات النوعية في حضور الجاليات العربية الإسلامية في الغرب.
بدأت حركة المقاومة الأكاديمية الحديثة منذ العام 2005 بمشاركة 58 جامعة أوروبية وكندية وأميركية بإعلان أسبوع من الأنشطة العالمية لكشف ذهنية الفصل العنصري الإسرائيلي، وتبع ذلك مقاطعة أكاديمية شاملة من جامعات بريطانية وسويدية ودنماركية للمؤسسات الأكاديمية والأكاديميين الاسرائيليين، وفي العام 2008 بدأت مؤسسات مدنية أوروبية بتطبيق خطة فاعلة لمقاطعة السلع والبضائع المصنعة في الأراضي المحتلة، وخلال العالميين الماضيين قاطع العديد من الممثلين والمخرجين العالميين الكبار المهرجانات السينمائية الاسرائيلية.
شكلت الفترة بين عملية الاغتيال التي تمت في دبي لأحد القادة الفلسطينيين ونفذها الموساد بجوازات أوروبية وغربية، إلى حركة سفن فك الحصار، تراكما من نوع آخر في أطروحات الخطاب الإعلامي الغربي الذي لم يتوقف عند الصحف ووسائل الإعلام الأوروبية بل وصل إلى تصريحات هيلين توماس عمدة صحافيي البيت الأبيض، والتي تركت البيت الأبيض على خلفيتها، فيما صحيفة برازيلية واسعة الانتشار تخرج بعنوان "نحن اليوم كلنا غزيون".
لا يملك العرب المعاصرون تراثا في المقاومة المدنية، ولا حتى المقاطعة النوعية، وينسحب الأمر على ثقافة المقاومة المدنية التي لم نوطنها، الأمر الذي أوقعهم ضحية التعبيرات الاحتجاجية العنيفة التي فلت بعضها من عقال المنطق، وخلقت الموجة المعاصرة من العنف والعنف المتبادل على جبهات قد لا تكون في معظمها هي الجبهات الحقيقية للمقاومة والمعارك، ما عقد الموقف أكثر وجعل معركة الفهم المتبادل مع العالم أكثر صعوبة.
رفع التطلعات نحو عولمة المقاومة المدنية لا يقاس باللحظة الراهنة، حيث تعيش إسرائيل أكثر لحظات الاستفزاز في تاريخها، بل يتوقف الأمر على سلوكها في اليوم التالي وقدرة المجتمعات العربية على بناء تحالفات مدنية للمقاومة؛ لنتصور فكرة واحدة فقط أن نعلن العام 2011 عام المقاومة المدنية العالمية للعنصرية والاستيطان الصهيوني، لنتصور أن نطلب من الأكاديميين العرب أن ينشروا ألف بحث علمي باللغة الانجليزية وغيرها، تنشر في دوريات ومجلات يقرؤها العالم تتناول كشف عنصرية الدولة العبرية وعداءها لحقوق الإنسان.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد