لا أدري كم من المتابعين يشاركونني هذا الانطباع. ان كل شيء يبدو باهتا مثل نسخة مكررة فقدت وهجها! الانتخابات، المجلس النيابي، الحكومة، خطابات الثقة. حتى الجدد المنتخبون لأول مرّة لا يبدون بحماسة وإقبال جدد المرّات السابقة. كأن الوزارة لم تعد الوزارة والنيابة لم تعد النيابة، كأن الجميع تحت القبّة على سبيل التشبيه. لا مسرح حقيقيا ولا ابطال ولا جمهور. أقطاب المجلس الذين كان لهم هنا صولات وجولات بدوا مثل خيالات باهتة لأبطال زمن سابق، هم أنفسهم غير مقتنعين ولا مرتاحين بوجودهم، كما لو انهم عادوا من ادوار البطولة في عروض أولى الى ادوار الكومبارس في عروض متأخّرة.
هل إن المشهد تكرر علينا كثيرا حتى مللناه؟ انتخابات ومجلس وحكومة وماراثون خطابات وثقة مضمونة! قد يكون ذلك لكن ليس فقط، فالمشهد في الديمقراطيات التي تمارس الانتخاب منذ قرن لا يشيخ أو يبهت أبدا والسبب على الأرجح ان كل انتخابات تمثل تنافسا جديدا وكاملا وحقيقيا على السلطة.
لتفسير أفضل هاتوا نعود الى الجولات الانتخابية السابقة، فقد كان هناك جديد ما في كل مرّة. طبعا انتخابات 89 كانت الحدث الأكثر اثارة وجدّة وجرت في اجواء قد لا تتكرر ابدا، أمّا انتخابات عام 93 فقد مثّلت صدمة التحول في النظام الانتخابي الى الصوت الواحد الذي قلب المشهد وأعطى دروسا لطريقة خوض الانتخابات اللاحقة عام 1997 والتي جرت في ظلّ مقاطعة الاسلاميين وآخرين وما اثارته من تحدّ مقابل، أمّا انتخابات عام 2003 فقد جاءت بعد عامين من غياب الحياة النيابية وبتقطيع جديد للدوائر وزيادة في عدد المقاعد اضافة الى الكوتا وخلق فرص جديدة غير مسبوقة للألوية والأطراف.
أمّا هذه الانتخابات فلم تكن تعد بجديد ولا على أي صعيد، بل إن التردّي فاق التوقعات، وقد بدا المشهد التالي كله بالضرورة باهتا ومحسوما، وحتى الخطابات الساخنة من بعض النواب العتق بدت تكريرا باهتا لوقفات سابقة لا تجذب أحدا أو انها تصفية حسابات لا تهمّ أحدا، في حين لم يقصّر أغلب الجدد في دفعنا للتثاؤب بخطابات مغرقة في المحلية المطلبية وهي ما نشبع منه في كل خطابات الموازنة.
كنّا نتوقع هذا المشهد في خيالنا فطالبنا بلا كلل بتغيير شروط اللعبة عبر تغيير قانون الانتخاب، ثم إنّ الحياة قصيرة حتى نضيّع منها اربع سنوات أخرى في الملل، لكن قد يكون للذين يمسكون بخيوط اللعبة شأن آخر، فلعلّهم لا يملّون ابدا من المشهد وهم في مواقع السلطة والقرار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري