لم يحصل اللبنانيون على عيديتهم أمس السبت وتأجّل انتخاب رئيس الجمهورية للمرّة العاشرة.
شدّ الحبل والابتزاز لن ينتهي ابدا. لقد بدأت المعارضة باشتراط رئيس توافقي فحصلت عليه ثم كرّت سبحة الاشتراطات من شكل الحكومة القادمة الى التعيينات الأمنية الى قانون الانتخابات، وليس هناك مكان في العالم يخضع فيه انتخاب رئيس جمهورية للاشتراطات بهذه الطريقة. ليس معقولا في أي مكان في العالم منع انتخاب رئيس للبلاد حتّى تلبية مطالب بعينها لأحد الأطراف!
لقد بدأ الخلاف حول تفسير الشروط الدستورية للانتخاب (بالنصف زائد واحد أو بالثلثين) وهذا مفهوم، واذ تنازلت الأغلبية عن تفسيرها (النصف زائد واحد) وعن ترشيح شخص من وسطها وقبلت برئيس توافقي (قائد الجيش) ظهرت عقبة التعديل الدستوري الذي يجب أن يمرّ عبر الحكومة (التي تراها الأقلية فاقدة للشرعية). وقد قبلت الأغلبية بتفسير يلغي الحاجة لتعديل الدستور حتّى لا يمرّ على الحكومة، ويفترض أن هذا كان كافيا لحصول عملية الانتخاب بمعزل عن أي شأن آخر.
هنا ظهر الجنرال عون بمبادرته التي تطرح "سلّة" كاملة من المطالب تحت عنوان "اتفاق سياسي شامل" لكي يتمّ انتخاب الرئيس! تحوّل الأمر الى بازار أغضب قائد الجيش نفسه، فإذا كان موضع ثقة من الجميع فلماذا الاشتراطات المسبقة حول كل شيء!
هذا التعطيل أقنع جميع الأطراف الخارجية أن الحلّ بيد سورية واليها يجب الذهاب للتفاهم، ولم تكن سورية لتمانع بل سعدت ضمنا بوصول الرسالة وقد التقطت فرنسا المبادرة وفتحت خطّا على سورية، بما في ذلك سلسلة اتصالات هاتفية مباشرة من ساركوزي للأسد وبدا أن الأمور قريبة من الحلّ لكن الجلسة الأخيرة أمس وهي الموعد الأخير الذي اعطاه التحرك الفرنسي لنفسه وبموافقة أميركية انتهى الى الفشل. وقد شعر الرئيس الفرنسي أنه خدع وخذل من السوريين، وألمح أنه سيكون لذلك ثمنه.
الأغلبية في وضع لا تحسد عليه، فالتوافق مع الأقلية يضعها تحت ابتزاز لا نهاية له، وحسم الأمر وحدها قد يفتح الباب على كارثة.
لنقل الأمور بصراحة: فعبر المعارضة تريد سورية ان تستعيد مفاتيح القرار في لبنان. والأغلبية  استعدّت لتسوية على درجة معقولة من التوازن مدعومة من الدول العربية وأوروبا وروسيا وقد تركت الولايات المتحدّة للمفاوضات والمساومات أن تأخذ مداها، وآخر ما حرّر على هذا الصعيد هو حكومة لا تملك فيها المعارضة الثلث المعطّل ولا تملك فيها الأغلبية الثلثين، مع وضع 5 وزراء بيد الرئيس الجديد العماد سليمان، واذا لم يمرّ هذا الحلّ فلا حلّ.
الرئيس برّي تحوط للفشل، واراد التخفيف منه بالقول: انه سيستمر بلا انقطاع بالدعوة الى مواعيد جديدة متخطيا عقبة العطلة النيابية بتفسير دستوري يتيح استمرار الجلسات. ويتناغم ذلك مع لهجة سورية تريد التخفيف من خيبة الأمل الفرنسية وابقاء الخطوط مفتوحة. واذا كان بوش قد سارع للإعلان أن صبره مع السوريين قد نفد منذ أمد، فنحن بانتظار قراءة فرنسية وعد (بل هدّد) ساركوزي بتقديمها وهي على الأغلب تحميل القيادة السورية المسؤولية كاملة عن الفشل. وعندها ستكون سورية قد فقدت فرصا ثمينة مع الجميع بما في ذلك السعودية وبقية الدول العربية، وسيكون لفرنسا وأوروبا موقف لا يقلّ قسوة عن موقف الولايات المتحدّة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري