قدّمت الحكومة الموازنة العامّة أمس الى مجلس النواب ونتمنّى لو أن المناقشات التي ستجري هذه المرّة توفر علينا استعراض المطالب المحليّة التقليدية. فلم يسبق لموازنة أن وعدت بعام أصعب من الذي ينتظرنا بعد أيام, ونريد أن نسمع آراء في خطّة الدولة المقترحة لتحرير سوق النفط نهائيا واستبدال الدعم للسلع بالتعويض النقدي والزيادات على الرواتب.
الصيغة التي توصلت إليها الحكومة بشأن الزيادة على الرواتب تتمثل في زيادة موحدة من ثلاثين دينارا لمن تقلّ رواتبهم عن 300 دينار ثم تنزل نسبة الزيادة للشرائح الأعلى. ولأول وهلة يبدو المبلغ مجزيا، لكن الرفع المتوقع لسعر اسطوانة الغاز وحدها دون غيرها سيأكل هذه الزيادة كلها، فالسعر الجديد لأسطوانة الغاز سيكون ثمانية دنانير وربع بزيادة أربعة دنانير دفعة واحدة. واذا كانت الأسرة تستهلك اسطوانتين اسبوعيا للطبخ والتدفئة، فهي ستدفع 66 دينارا شهريا للغاز فقط!
في الحقيقة أن الزيادة المقترحة لا تغطي ارتفاع كلف المعيشة المستمر منذ حين حتّى لا نتحدث عن موجه الارتفاعات المتوقعة في العام القادم. كل السلع شهدت زيادات متواترة بلا انقطاع ابتداء بالحديد وانتهاء بالبيض. وقد شاركت عوامل أخرى طوال العام الفائت في استمرار زيادة الأسعار بعد رفع اسعار المشتقات النفطية مثل الارتفاع العالمي للعديد من السلع والانخفاض المستمر في سعر الدولار الذي يرتبط به الدينار.
على كل حال؛ فإن الأرقام الاجمالية تقول بوضوح ما الذي سيحدث، الحكومة ستغطي عبر زيادة الرواتب 300 مليون دينار، بينما الفاتورة النفطية تصل الى اكثر من بليوني دينار، وقد تحددت نسبة الزيادة على اسعار المحروقات (63،4% للكاز والسولار مثلا) بحساب أن برميل النفط سيكلف 84 دولارا، لكن الأسعار ستتحرك مع حركة اسعار النفط. وبالطبع فان موجه متصّلة من ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات ستحدث، ومع نهاية العام القادم فليس كثيرا أن نتوقع انخفاض القيمة الشرائية لرواتب الموظفين بنسبة الثلث على أقلّ تقدير.
لم توضح الحكومة آلية ربط الأجور بالتضخم! هل ستكتفي بالزيادة المقترحة في الموازنة أم سيكون هناك سلم متحرك للزيادة بالتناسب مع كلف المعيشة؟ بصراحة نحن لا نأخذ على محمل الجدّ ربطا وثيقا بين الأجور والأسعار، فمن سيدفع الزيادة الهائلة في كلفة النفط؟
من المفهوم بالنسبة لبلد غير نفطي أن يدفع المواطن ثمن الارتفاع الشاهق في سعر الطاقة المستوردة، لكن بعض الفئات لا تتكيف فحسب بل تستفيد مما يحدث، واذا لم تكن هناك سياسات اجتماعية جذرية لمواجهة الموقف فسوف تتفاقم الاختلالات الاجتماعية ويذهب المجتمع باتجاه مزيد من التفسخ والطبقية الجائرة. فهل  تفي شبكة الأمان الاجتماعي بالغرض؟ نريد من النواب أن يتدارسوها بعمق وأن يقدموا افكارا وبدائل في نقاش الموازنة.  

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري