في هذه الأيام التي تشهد تراجع حضور أزمات العرب في أولويات وسائل الإعلام العالمية، كما عودتنا على ذلك لسنوات طويلة، يلاحظ بجدية تراجع حيوية هذه المجتمعات في مواجهة حالة الانهيار المستمرة منذ عقود، ويبدو أن ذلك ينسحب حتى على مستوى الحيوية السالبة التي طالما أثارت علامات الاستفهام، فكأن الناس في هذه اللحظات التاريخية الخانقة لا يموتون ولا يحيون.
قد لا تستطيع الأجيال العربية في ظل تراكم التكدس الحضاري المجاور، أن ترى الفوات والتأخر الذي يلحق بالبنى الاجتماعية التاريخية العربية والإسلامية ومعطياتها المادية، ومدى إمعان فقدان الحاسة التاريخية، الأمر الذي يؤكد كل يوم امتداد عمى السياسة إلى المجتمعات، فإضافة الى ازدحام الموت بجثث البشر، هناك موتى آخرون أبرزهم موت الحياة العامة العربية، وتراجع المجال العام بتعبيراته السياسية والثقافية في هامش ضئيل لا يتحرك إلا للخلف أو حينما تستفز غرائزه العصبية.
على صوت ضجيج الآلات الناعمة شمال المتوسط وغربه، ووسط فوضى الآلة العسكرية المحتلة المنتشرة هنا وهناك؛ بات الانسان العربي يفتقد حواسه الحقيقية يوما بعد يوم، وأهمها الإحساس بالزمن والتاريخ، لقد هدم الإغراق الإعلامي والتدفق الإخباري المرهق وفجائع الصور آخر ما تبقى من الخلايا العصبية للمجتمعات، وورثها هذا الواقع بلادة غريبة لا يستحقها إلا الموتى.
هكذا يبدو، أن المجتمعات العربية التي وصفت لوقت بإثارة أكثر الانفعالات حدة في العالم، تدخل في حالة من البلادة التاريخية، رغم أن تلك الحيوية من دون محصلة، فهذه الحيوية المفعمة وتلك الانفعالات الحادة مسروقة قبل اكتمالها ومحصورة دوما في خارج انشغالات العصر، وأبعد ما تكون عن حاجات مجتمعاتها ومصائرها، والزمن يتدفق سيلا من الأنات مشغولة دوما بصراعات مستمرة حول التراث والغرب وهوية الدولة ومصيرها، كان ذلك إلى وقت قريب قبل أن تتقزم الأزمة التاريخية في الصراع حول الطوائف والعوائل والقنوات التلفزيونية.
إنه التراكم الهائل من الجثث التي تعيق الحركة، والمستمرة في موتها من دون أن تتيح مجالا لحياة أخرى كي تبعث من جديد، وهذا الأمر الذي يمكن أن يُدرك معرفيا حينما نستشعر بالحاسة التاريخية فقدان الحاضر العربي لظاهرة الاستقبال والاتصال الحضاري في التاريخ، وهي الظاهرة التي بقيت مستمرة مع استمرار الوجود والاعتبار العربي عبر قرون طويلة، فالاتصال هو محصلة التوارث والتزامن، والنتيجة الضرورية التي تظهر في اللحظة التي تشاهد فيها مجتمعا متكاملا نسبيا في شروطه في الاتصال مع العالم وفي استجابة اللغة واستمرارية التقاليد الحضارية، نجد لهذا التكامل صورا في حالات أقدم، ما يثبت ويشير إلى معابر اجتماعية في الزمن تحركت فوقها القيم والخبرات الحية التي استمرت في استفزاز فعل الحياة على البقاء، وانتقلت إلى عصور أحدث.
المشكلة حينما نفتقد الحاسة التاريخية بالذات وبالآخرين وقبل ذلك بحركة الزمن وانشغالات العصر؛ أن هذا المفترق الصعب إذ يشير في أحد جوانبه إلى بداية فقدان خاصية حضارية مهمة هي الاستقبال والاتصال الحضاري وفقدان خاصية القدرة على التجدد الحضاري، بدل التوارث الأعمى وسيطرة العنف الجاهلي وعقلية الفسيفساء، كلها مؤشرات تدل على فقدان الحاضر وموته المجاني، على الرغم من الحاجة الملحة إلى الموت، الذي يعلن الموت الحقيقي للموتى الذين نعيش بهم منذ قرون، والموت الإيجابي هو الذي يتيح الفرص أمام بؤر جديدة للحياة كي تنمو وتحقق التجدد الحضاري.
فما يملكه الآباء والأجداد، ليس لنا، وما يملكه الجيران والأباعد ليس لنا أيضا، نحن لنا الحاضر الذي لا نملكه أيضا وكفى! هو المدى الواسع للاختبار، ولكن وللأسف لاختبار ماذا؟ العدمية السياسية، هوان النظم السياسية أم خيانة النخب وزيفها، أم انكشاف وهن المجتمعات وخرابها.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد