ليس هناك في الحياة أكثر من الأمومة جدير بالتكريم والاحتفاء. هو احتفاء لا يتحدّر من تاريخ أو تقاليد أو ثقافة دون أخرى. فالأمّ هي الأمّ في كل عصر ومكان، لكن تخصيص يوم بالذات في العام للمناسبة اصبح دارجا في زمننا يشمل كل موضوع.
في مصر قررت الحكومة تحويل اسم المناسبة الى يوم الأسرة، ونحن لا نحبذ ذلك بل يمكن انشاء يوم خاص لفكرة الأسرة ومعانيها، لكن يجب أن يبقى للأمّ هذا التميز والتفرد الذي تستحقه، وكان تخصيص الحادي والعشرين من آذار يوما للأم قد انطلق من مصر الى بقية العالم العربي بمبادرة من الأخوين الصحافيين علي ومصطفى أمين بعد رسالة من أمّ تشكو فيها هجر ابنائها الذين تعبت عليهم العمر كله بعد وفاة ابيهم مبكرا فردّ الأخوان بفكرة تخصيص يوم لتكريم الأم، ولقي الاقتراح تأييدا واسعا كما حاز على موافقة أغلبية الآراء تخصيص تاريخ 21 آذار بداية فصل الربيع للمناسبة، وهو اقتراح موفق اذ يربط التاريخ بطبيعة الأم التي تجدد خصبها وعطاءها في هذا الفصل.
وليس هناك تاريخ موحد في العالم للاحتفاء بهذه المناسبة، ولم يتمّ دوليا اقرار مثل هذا التاريخ على غرار مناسبات أخرى مثل عيد المرأة وعيد العمّال..الخ. ففي كل بلد هناك تاريخ مختلف وقصّة خاصّة لظهور الاحتفال، وفي الولايات المتحدة كانت كاتبة أول من طالب بتخصيص يوم للأمّ، لكن سيدة أخرى لم تصبح يوما ما أمّا اسمها آنا جارفيس هي التي نجحت في تكريس الاحتفال، بعد أن كانت تسمع أمها التي اكتوت بنار الحرب الأهلية الأميركية تردد هذه الرغبة، وبالتأكيد لو كان الأمر للأمّهات في طرفي النزاع لما قامت الحروب.
وأذكر أن الرهينة الأجنبي الوحيد الذي قبلت دولته انقاذ حياته بثمن سياسي هو الخروج من العراق كانت الفلبين، وكتبت في حينه أن سبب هذه السابقة وجود سيدة على رأس الدولة لم تقبل تجاهل نداء زوجة الرهينة وأمّ اطفاله وكان انقاذ الأبّ بالنسبة لها أولى من العنجهية السياسية برفض "الخضوع للابتزاز" وبقاء قوّة فلبينية صغيرة في العراق لا ناقة لها ولا جمل في الصراع.
ولا يحظى عيد الأمّ بتغطية رسمية ولا تكرس له احتفالات وخطب فهو مثل عطاء الأم يبقى أمرا داخليا حميما، ويقتصر غالبا على تفاهم بقية العائلة على الهديّة التي يقدمونها للأمّ بالمناسبة. لكن افراد العائلة لا يتوقفون عن التفكير في الأمّ كعطاء خالص لا مقابل له، ولذلك يهدونها مثلا "طنجرة ضغط" أو "فرن ميكرويف" أو مكواة كهرباء جديدة بدل تلك التي تقادمت كثيرا!
أول من أمس اقترحت مازحا على ابني الصغير "طنجرة الضغط" الشهيرة كهدية لعيد الأم، فقال مستنكرا نريد هدية للأمّ وليس لمطبخ الأمّ. لا شك مع هذا الجواب أن وضع الأمّ أفضل الآن في تفكير الأبناء لكن عملها في المطبخ وفي البيت لم يتغيّر، فقط اضيف عليه العمل في الخارج لتوفير راتب آخر للعائلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري