الاشتباك الحدودي الذي وقع على الحدود اللبنانية الجنوبية بعد دخول القوات الاسرائيلية الأراضي اللبنانية يوم الثلاثاء الماضي، يذهب للإشارة نحو جهات بعينها لا تريد أن تقترب المنطقة من أي انفراج سياسي، وهي بالمناسبة عقيدة سياسية متطرفة كما تخدم اسرائيل في المقدمة تخدم أطرافا اقليمية أخرى تلتقي مصلحتها في هذه اللحظة بجر المنطقة عنوة إلى حرب جديدة.
وإذا ما أضفنا إلى الاشتباك الحدودي الأخير، حادثة صواريخ العقبة وإيلات الاثنين الماضي، تبدو واضحة طبيعة الرسائل المتبادلة عبر الصواريخ والقذائف وحقيقة أهدافها، فالتناقض الاستراتيجي أوصل المنطقة في لحظة تاريخية فارقة إلى نقطة مشبعة بالإفلاس السياسي، الذي لا يعني سوى حالة تشبه منطق مؤتمر فرساي العتيد، حيث توزع تركة الدول المهزومة وتوضع قواعد لإدارة شروط المنتصرين، بمعنى آخر فرض المفهوم الاسرائيلي اليميني للتسوية أو الذهاب إلى حرب جديدة، وهذا ما يدفع اسرائيل إلى عدم استيعاب أي تحرك دولي أو عربي اعتراضي، كما حدث خلال الاسابيع القليلة الماضية، وحتى وإن كان هذا التحرك لا يرقى للحد الأدنى المطلوب من الدرس الأول في عالم السياسة والحرب.
هناك قوى داخل المؤسسات السياسية والأمنية الاسرائيلية ترى في أي تطورات سياسية جديدة اختراقا يجب ان يوقف، وما رمزية حادث الحدود اللبنانية على الرغم من عملية الاحتواء السريع له، إلا أحد التمارين الحية لانفلات مفاجئ متوقع في أي لحظة، يحدث ذلك في الوقت الذي يسخن فيه الاميركيون والإيرانيون عدتهم وعتادهم ويرفعون فيه لهجة خطاب الحرب، فيما تحاصر بعض التحولات الموقف الاستراتيجي الإيراني وتدفع به للبحث في الحدائق الخلفية عن متنفس جديد ولو بالرصاص الحي.
باتت الحرب المقبلة في الشرق الأوسط مسألة وقت لدى الكثير من المراقبين، إذا لم تحدث تحولات عميقة على خطوط التماس المشتعلة أو شبه المشتعلة على أكثر من جبهة، والحرب المقبلة وفق هذا التصور لا تحتاج أكثر من شرارة لاندلاع حرائق لا يستطيع أحد تقدير حجم امتدادها وقوة نارها، وكما ان الحرب المقبلة - كما يقال- قد نضجت شروطها على أكثر من جبهة، فإن لكل منها سيناريو يصب في نهاية المطاف في حريق كبير سيدفع ثمنه الجميع، وسيكون أكثر الخاسرين هم العرب على اختلاف معسكراتهم وتحالفاتهم.
العالم يراقب وينتظر بحذر وقلق البؤر الساخنة في الشرق الأوسط وجميعها مرشحة لإشعال شرارة الحرب التي قد تبدأ بضربة تكتيكية أميركية لمواقع استراتيجية مختارة في إيران، مقابل رد استراتيجي إيراني في العراق وربما في إسرائيل أو الخليج، أو تبدأ بسيناريو ثان ملخصه خروج الوضع اللبناني عن السيطرة وحدوث مواجهة واقتتال بين الفرقاء اللبنانيين يحسم بسرعة لصالح سيطرة حزب الله، الأمر الذي سيدفع إسرائيل لاجتياح لبنان بشكل كامل، ما يعني أن الحرب قد بدأت ليس ضد لبنان وحده، بل وضد سورية وإيران، ويصل هذا السيناريو إلى احتمالات وقوع حرب إقليمية شاملة يتم فيها تبادل استخدام أسلحة استراتيجية غير متوقعة. كل هذه الاجواء المحتقنة عنوانها (الحرب الآن ) على قدر ما يبدو أن التسوية والسلام في الساعة التالية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد