ثقافة المناطق المحظورة تحاصر الناس في كل مكان وإن لم تعد تأخذ صفتها الأمنية التقليدية أو حتى متطلبات السلامة العامة الأساسية، بل تجاوزتها..
هناك من يمارس الوصاية على المجال العام ببعديه المادي والمعنوي في كل مكان في العاصمة والمدن وفي الأرياف والقرى أيضا، في الذاكرة ما تزال تحفر بعيدا عبارات من قبيل : ممنوع الاقتراب، ممنوع المرور من هنا، خطر الموت وصورة جمجمة، منطقة محظورة، وهكذا!.
سُجلت خلال شهر واحد أربع وفيات بسبب الإهمال في مناطق ومحطات التيار الكهربائي الخطرة، ما يعني حجم تراجع المحظور في المواقع التي تحتاج إلى الحظر والتقييد، بينما تزداد مساحة الحظر في مناطق عامة أخرى حيثما اتجهت.
في تقرير ذكي للزميلة سماح بيبرس (الغد 3/8/2010) حول ثقافة الصراخ والتجهم التي تهدد منجزات التسويق السياحي، نكتشف مناطق محظورة في ساحات المهرجانات والأماكن السياحية بفعل السلوك الفوقي الذي يمارسه القائمون على تنظيم تلك المواقع، حيث توجد قائمة طويلة من الممنوعات التي اخترعها موظفون صغار وكبار على حد سواء في العديد من المواقع السياحية والأثرية والمواقع العامة.
قبل ثلاث سنوات استمعت لقصة من أستاذ للإعلام من جامعة في كارولاينا الجنوبية دعي رسميا لزيارة التلفزيون الأردني، وبعد أن استقل سيارة من المطار، وبعد مسير نصف ساعة وجد الرجل أن السيارة التي تقله تدور به حول معسكر محاط بالجنود، ولم تدخل السيارة إلى المبنى إلا بعد سلسلة من الإجراءات الطويلة للتأكد من شخصيته حتى ذهبت به الظنون بعيداً، ولم يطمئن إلا بعد ان تأكد انه بالفعل داخل مبنى التلفزيون ولم يعتقل.
هناك إجراءات أمنية تتخذها كل المؤسسات في العالم، وهذا من حقها، ولكن ليست بالطريقة التي تحط من كرامة الناس أحيانا، أو تضيع وقتهم أو تحولهم رهن مزاجية عصبية إدارية وتعليمات قاصرة.
تتكرر هذه المواقف على بوابات الجامعات التي تحولت خلال السنوات القليلة الماضية الى مناطق محظورة بامتياز، ويحتاج الطالب إذا ما رافقه زميل له من جامعة أخرى إلى سلسلة من الإجراءات، وسلسلة أخرى من التحايل والبوس على اللحى، وكذا الحال حتى للضيوف ولأبناء المجتمعات المحلية، وفي العالم اليوم لا توجد بوابات لمعظم الجامعات ومكاتب محطات التلفزيون على الشارع مباشرة.
قائمة المنع والمحظور تتنامى وتزداد قوائم الممنوعات يوما بعد يوم، وتعود مجددا في تفاصيل الحياة العامة وفي الجزء الخاص من المجال العام، بمعنى أين تذهب، وأين تتمشى، وأين تتوقف وكيف تمارس حياتك اليومية، حالة الضيق العامة لا تمارسها الحكومة وحدها، وهي تمنع الموظفين من الاحتجاج أو حتى ممارسة التعبير عن المطالب والاطلاع على بريدهم الإلكتروني، بل نمارسها على بعضنا البعض ونتطرف في ممارستها، وثمة سلطات لا حصر لها، وأوصياء يفرخون من حولنا أينما اتجهنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد