أعود الى هذه الموضوع بمناسبة الإعلان عن مشروع طلاء مباني شرق عمّان الذي يتم بدعم من جهات أهلية ومصانع دهانات، وكنت قد كتبت في حينه مستغربا فكرة القول بلون ترابي يناسب البيئة الصحراوية.
أول مرّة كتبت في هذا الموضوع ذكرت أن أول ما صدمني في مطار الملكة علياء قبل عقد ونصف، وانا أقترب منه اللون الكئيب الترابي للمشهد عن بُعد، جدب على جدب في قلب الصحراء، مع أنه كان يمكن أن يظهر علامةً حيويةً في قلب الأرض اليباب المحيطة. وأفكر لو أن بناء في قلب غابة خضراء هل يتمّ اختيار اللون الأخضر له؟
الانسجام والتناغم لا يعني اختيار نفس اللون، بل ما يحقق التناغم والجمال، وهذا علم معروف. ويوجد لكل لون ألوان مقابلة يتناغم معها، وهو ما يحقق الذوق الجيد والجمال والراحة والمتعة للنظر. وقد صادف أن قرأت درسا في كتاب للسنّة الأولى لهندسة العمارة عن ذلك، ولا أعتقد أن الأمر ليس بخاف على مهندسينا، لكن يخيفني كثيرا أن يكون المفهوم المطروح هو نفسه الذي كان وراء لون المطار.
في الواقع أن تركيب مدينة عمّان يتيح مشهدا أخّاذا لمدرجات البيوت النازلة من التلال في كل محيط النظر، لكن في مناطق شمال وشرق عمّان، فالناس التي بنت بيوتها من الإسمنت آخر ما اهتمت به هو الطلاء والرونق الخارجي للبيت، خصوصا مع قلة المال، فغالبا ما يتم ابقاء القصارة على لونها الرمادي القاتم، وفوق هذا ترتفع غالبا أعمدة خرسانية تبرز منها الأسياخ الحديدية في منظر ولا اشدّ ايذاء منه للبصر.
الآن، والمطروح دهان جماعي للبيوت فإنها فرصة فريدة لتشكيل مشهد عمّان بأبدع شكل. ولدى الأمانة فرصة حرّة لتقرر ترتيبا للألوان وليس بالضرورة لونا واحدا، لكل الأبنية. ويمكن إجراء عشرات التجارب على برنامج الكومبيوتر للمشهد لنقرر بعدها أجمل وأفضل ما نريد. وأتخيل أن المدينة ستسحر أهلها وضيوفها على السواء بهذا العمل.
يمكن الاقتراب والتناغم مع البيئة بألوان مثل القرميدي والبرتقالي. وفي التقاليد العريقة الصحراوية تطلى الجدران الخارجية باللون الأبيض، لأنه يمتص الحرارة ويحفظ برودة البيت، واذا أضيف لون آخر فهو الأزرق السماوي، لكننا لسنا ملزمين باللون الأبيض، بل يمكن لهذا اللون أن يكون جزءا من تشكيلة متناغمة.
كما قلت؛ أكتب مجددا وآمل أن تصدر تطمينات بأن الخيار ليس طمس المشهد، الذي قلّ نظيره لتلال العاصمة بلون التراب، وهي مناسبة للتذكير بمشكلة عمّان الغربية الحجرية. يجب حلّ مشكلة الحجر الذي يتشوه بعد بضع سنين والى الأبد بلون رمادي قاتم وطيني بائس.
هناك أنواع خاصّة من الطلاء للواجهات الحجرية تحميها وتسهّل غسلها الذي يجب أن يصبح فرضا كل بضع سنوات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري