يبدو أن الدول والمجتمعات العريقة التي شيدت اقتصادات قوية انطلاقا من الأطروحات التقليدية التي جاء بها آدم سميث صاحب "ثروة الأمم"، انتهت من حسم موقفها الحضاري بخلاصة أن صناعة التاريخ والمكوث به لا تكتفي بالثروة الصلبة وموارد الاقتصاد التقليدي لصالح تعظيم القيمة المضافة لرأس المال الثقافي الاجتماعي، وهي الموارد التي لا تنضب ولا تزول، بل كلما استهلكت نمت وازدهرت، وأهم هذه الموارد الثقة والتسامح والقبول بالتعدد والتنوع.
السؤال الذي يطرحه الدكتور سالم ساري، في بحث جدير بالقراءة والتوقف في طريقه للنشر؛ هل المجتمعات العربية التي لا تملك رأس المال الاقتصادي أو السياسي قادرة على التحول في الأولويات التنموية نحو نوع آخر من الموارد هو رأس المال الثقافي والاجتماعي العربي؟ ثم ماذا يوجد في الثقافة والنظم الاجتماعية العربية المعاصرة من آليات ذاتية أو إمكانيات قادرة للتحول إلى موارد حقيقية؟
ومن أجل الكشف عن ملامح (ثقافة الثقة في المجتمع العربي) قام الدكتور ساري باستطلاع اتجاهات الشباب في الجامعات الأردنية في خمسة محاور أساسية وهي مجالات توضح مصادر رأس المال الاجتماعي العربي المعاصر.
في المحور الأول "خيارات الهوية التعريفية" هنا يطرح السؤال بشكل مفتوح يتيح للفرد أن يقدم نفسه وفق الأولويات التي تعكس منظومة تمكين الثقة التلقائية حيث نجد أن 35.5 % من العينة الشبابية فضلت الهوية الشخصية، أي تعريف الذات بالاسم، ثم جاءت الهوية المهنية بالترتيب الثاني 26.5 %، أي التعريف بالوضع المهني، وثالثاً الهوية الإنسانية 18.5 %، ورابعا الهوية الدينية 7.5 % وخامسا الهوية الوطنية 6.5 %. ومن الملاحظ وفق هذه الدراسة انه لم تظهر الهوية العشائرية بشكل واضح حينما ترك المجال أمام الشباب مفتوحا في تعريف الذات.
أما في المحور الثاني الذي تناول (أنماط القيم العائلية المكتسبة) فجاءت أكثر القيم التي اكتسبها الشباب من الوالدين والعائلة هي القيم الدينية في المرتبة الأولى 60.5 %، ثم جاءت قيم (الصدق، الاحترام، الاستقامة، التعاون، المحبة).
الأمر الآخر الحري بالمناقشة في هذا الجانب أن القيم التي تنقلها العائلة للشباب أو تلك التي يؤكد عليها المجتمع تصل إلى الشباب مفرغة من مضمونها الذي ينمي الثقة، ويذهب بنا هذا الاستنتاج إلى فحص حالة التفاخر الثقافي المكثف بالأخلاقيات والسلوكيات التي تتحدث عن التكافل الاجتماعي والترابط والتي تحولت إلى حالة " شعاراتية" وجزء من خطاب المواعظ لا أكثر.
في المحور الرابع تطرح الدراسة سؤالا حول الثقة في الشرائح الاجتماعية، وجاءت درجة الثقة الأولى بالعلماء والمفكرين والثانية برجال الدين والمرشدين، والثالثة بالمعلمين والرابعة بالناس العاديين، وفي الترتيب الأخيرالبرلمانيون المنتخبون، وقبلهم السياسيون ورجال المال والأعمال.
ولو ذهبنا إلى المنظومات الثقافية في المحور الخامس، نجد أن المنظومة التحديثية أي نزعة التطور والتحديث نالت أعلى درجة ثقة تليها منظومة العولمة بمعنى الانفتاح وحرية الحركة، وأكثر المنظومات الثقافية التي تعامل معها الشباب بحالة من اللامبالاة هي المنظومة الأصولية –الدينية- ومنظومة القيم العلمانية.
بالفعل تبدو الثقافة العربية المعاصرة كما تعكسها قيم الشباب الأردني فقيرة بمعظم موارد رأس المال الثقافي الاجتماعي المتمثلة بالثقة، كما تعكس هذا الفقر حالة الإرباك والسطحية والتردد التي تذهب بنا مباشرة إلى بيت القصيد: كم نحن بحاجة لمراجعات نقدية جريئة قادرة على نزع القداسة عن الثقافة العربية المعاصرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد