تعود المناظرة حول جدوى أو خطورة تسييس التعليم في الاردن الى حقبة الخمسينيات، حينما دخلت الأحزاب الفاعلة إلى قاعات المعاهد والمدارس، وأسست حضورها في الإدارات التربوية، ومع الإقدام والإحجام خلال العقود الماضية، أصبح الجدل الحقيقي حول تسييس التعليم بين منظورين، يدفع كل منهما نحو المزيد من التسييس عمليا على حساب مهنية وكفاءة النظام التعليمي.
المنظور الأول الذي ينادي بعدم التسييس؛ حملته النخب الحكومية أو تلك التي بقيت على هوامش مؤسسات الدولة، وبالتالي دفعت مؤسسات الدولة على تبني هذا المنظور والتمسك به، بل أصبح خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه، ولهذا الخطاب أطروحاته ومقولاته ومبرراته، ولكنه عمليا يمارس تسييسا واضحا من نوع آخر للتعليم، ويمارس نمطا من الإكراه السياسي داخل النظام التعليمي حينما تفرض النخبة السياسية المتنفذة قيمها السياسية والفكرية، وتحولها إلى برامج عمل بوعيها أو من دون وعيها وتحرم النظام التعليمي من فرص النمو الطبيعي على أسس من المهنية والكفاءة والجدارة.
المنظور الثاني؛ قادته نخب سياسية وفكرية وكتل اجتماعية ناشطة في مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب، وهذا المنظور يدعو علنا للسماح بالنشاط السياسي والحزبي داخل المؤسسات التعليمية، وفي مقدمتها الجامعات، وهذا المنظور الذي لم يجد لهذا الوقت آذانا رسمية صاغية، وجد ارضا خصبة داخل المجتمعات الطلابية والاكاديمية أيضا في فترات متفاوتة. والمشكلة الكبرى في هذا المنظور أنه عمليا يضحّي بالمعايير المهنية التي من أجلها وجدت مؤسسات التعليم لصالح معايير سياسية في الأغلب مشوشة، ما يدع المسبحة تفرط بسهولة ويصعب جمعها في كل مرة.
تبدو المغالطة في المنظور الثاني في عدم التمييز عمليا بين الحق في حماية الخيارات السياسية للأفراد ومنهم الطلبة والاكاديمون، وبين الإكراه السياسي والأيديولوجي الذي يمارس عمليا حينما تتحول الجامعات إلى ساحات للأنشطة السياسية في مجتمعات لم تنضج فيها الساحات العامة سياسيا بعد، بينما يمارس المنظور الأول مغالطة لا تقل خطورة بتسييس من نوع آخر حينما تغيب الاعتبارات والمبادئ المهنية في خيارات ومعايير القيم التي يفرضها النظام التعليمي وفي أشكال ومضامين الغرس الثقافي وصولا الى الإدارة التعليمية من معايير اختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، حتى الممارسة العملية للحريات الأكاديمية وجميعها تحكمها معايير سياسية قبل المهنية.
إن تخلص النظام التعليمي، في التعليم العام والتعليم الجامعي، من جرعة التسييس العالية التي يمارسها طرفا المناظرة المحلية، يعد أحد المداخل الأساسية للدخول في عملية إصلاحية جادة، تبدأ من زيادة جرعة المهننة الحقيقية للتعليم، فالمهننة تشكل بداية لمصفوفة متتالية لا تتوقف، من خطوات التصحيح الذاتي القائم على مبادئ الكفاءة والمهنية والمزيد من الاستقلالية المسؤولة. فالغرس الثقافي وتبني القيم ونقلها وإنتاج المعرفة عمليات تاريخية معقدة أكبر من السياسيين ولا يجب أن تترك لهم وحدهم.
في هذا السياق، هل مطالب المجتمعات الطلابية والأكاديمية بإنشاء اتحادات طلابية وتنظيمات مهنية للمعلمين وأساتذة الجامعات مطالب سياسية تؤول إلى بروز كتل وقوى سياسية، أم مطالب مهنية تخدم كفاءة النظام التعليمي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بمدى قدرة المجتمع والدولة على التخلص الفعلي من تسييس النظام التعليمي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد