لم أحضر خلوة الحكومة مع نظرائها السابقين وفعاليات اقتصادية قديمة وجديدة من شتّى التلاوين نهار الخميس الفائت، لكن وفق ما سمعته من الحضور، وبينهم زملاء الأقسام الاقتصادية في الصحف، فقد ربحت الحكومة جولة ذلك اليوم.
الحكومة عرضت ما قامت وتنوي القيام به، وقالت للحضور هاتوا ما عندكم! فلم تحصل على شيء رغم أن الكثير من الكلام المهم قد قيل على ايدي اصحاب الخبرات، واذا عصرنا المداخلات فلم يكن هناك مقترحات محددة وملموسة تضيف شيئا أو بديلا لما عند الحكومة.
عرضت الحكومة ثلاثة محاور هي النفط والطاقة، والأسعار والغلاء، وسعر الدينار، وكما توقعنا في مقال سابق فالقضيّة المحددة التي تقابلت فيها وجهات النظر هي سعر صرف الدينار الذي يدعو البعض لفك ارتباطه أو رفع سعره ازاء الدولار. والمعروف أن انخفاض سعر العملة ينطوي على سلبيات من جهة وإيجابيات من جهة أخرى فركّز كل طرف على البعد الذي يدعم وجهة نظره، لكن دفاع الحكومة عن بقاء الوضع القائم كان أقوى.
سعر البترول والمواد الغذائية هي تسونامي دولية، وكما هو معروف فإن ارتفاع سعر البترول الى المستوى الحالي جعل "حرق الحبوب"! أقلّ كلفة والمقصود تخمير بعض المزروعات مثل الذرة وقصب السكر وغيرها لانتاج "الوقود الحيوي". وهذه الظاهرة أثارت حفيظة خبراء الأمم المتحدّة الذين يرون أن العالم الثالث مقبل على مجاعات بسبب تحويل الغذاء الى وقود، وقد اصبح أرخص من البترول. ويضيف بعض الخبراء نمو قدرة كتل بشرية هائلة مثل الصين والهند على الاستهلاك فأخذت حصّة أوسع من سوق الغذاء الدولية.
في الواقع أن التحرك الممكن يدور ضمن الهامش المحدود لتخفيض نسب الربح الداخلية عبر حلقات التسويق، وقد بادرت نقابة تجّار المواد الغذائية لإعلان نيتها نشر قوائم بكلف سلع اساسية على تاجر التجزئة، وأمس بادرت النقابة الى إعلان سعر أنواع الحليب المجفف والأرز، لكن لا يعلن أيضا عن سعر الكلفة على كبار التجّار والمستوردين أيضا.
الحكومة قررت الدخول كمنافس في السوق، وبعد قرار إلغاء هامش ربح المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية يقرر الآن انشاء شركة للاستيراد والبيع تملكها الحكومة، وقوبل هذا الاقتراح بالنقد في الخلوة الى جانب مقترح تحديد الأسعار لأنه يمثل عودة عن "مكتسبات" الاصلاح الاقتصادي، بل ان منع تصدير الفواكه والخضراوات والأغنام واجه معارضة لأنه يضرّ الاقتصاد، وهكذا تجد الحكومة نفسها متهمة بإحياء دور الدولة الاقتصادي القديم.
وثمّة وجهة نظر ثالثة رأت أن المشكلة في مكان آخر؛ أي غياب الشفافية والشبهات، بأن مئات الملايين تضيع على الدولة، وبالنتيجة على الموازنة الصفقات والمشاريع المختلفة. وعجز الموازنة اعتبر مشكلة خطيرة اساسية على لسان بعض كبار المسؤولين السابقين في حين كان وزير المالية يصرّح للزميل سلامة درعاوي أن "عجز الموازنة لا يقلقه". وقد يكون سرّ ارتياح الوزير أن السعودية لم تقصّر معنا في تمويل جزء من العجز، لكن أحدا لن يعرف ابدا اذا كان قد ضاع وكم ضاع على الدولة بسبب غياب الشفافية؟ وقد أثيرت ضجّة كبرى حول المشاريع العقارية الجديدة مثل بيع القيادة العامّة الجديدة، فقد أعطت الحكومة للضمان الاجتماعي ان يقوم هو بالاستثمار عبر شركة تبيع وتشتري، لكن البعض يعترض على إقحام الضمان في هذه القضيّة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري