لن يكون هذا السؤال غريبا في أجواء وظروف تثبت في كل معطياتها مقولة ما نزال نرفضها حتى لو قيل اننا نساق بالسلاسل وخلفنا الحراب الى بيت الديمقراطية، وهي تلك المقولة التي طالما رددتها دراسات غربية عن عيوب في تكوين الثقافة العربية تجعل من هذه المجتمعات المنتمية اليها غير ناضجة بعد للدخول في فعل ديمقراطي حقيقي وخلاق، فحسب رأيهم ما تزال هذه المجتمعات تحتاج الى المزيد من الطبخ كي تنضج.
يذكرنا بذلك بعض ما يحدث هذه الايام في المشهد الاردني في موسم الانتخابات، حيث اكثر المجتمعات العربية في اكتساب المعرفة وفي مؤشرات التعليم، واكثر المجتمعات العربية في القدرة على الاندماج والصهر الاجتماعي، وواحد من اكثر المجتمعات في العالم صيانة للاستقرار والسلم الاهلي، ومع هذا، هناك حوادث قتل واطلاق نار على الطرقات وفي الشوارع وعلى اطراف المقرات الانتخابية، وعنف مفتعل وآخر جدي، وآخر لا تجد تبريرا له إلا في إعادة فهم تحولات العقل الثقافي للمجتمع. خذ على سبيل المثال؛ أحدهم الذي أصاب شقيقه بعيار ناري في أحد المواكب الانتخابية إصابة بالغة أدخلته المستشفى عدة ايام، وبعد خروجه مشافى لم يجد الشقيق وذوو المرشح للاحتفال بعودة المصاب للبيت الا بزفة نارية من إطلاق الرصاص في كل الاتجاهات!
ومع هذا ما يزال العنف المرتبط بالانتخابات في المجتمع الاردني محدودا، واقل من مستوياته في مجتمعات عربية اخرى، لكن نضم الصوت لمن يقول بأنه جديد ولم يكن يعرفه الناس من قبل. نعود للسؤال الثقافي- السياسي وعن جذور التحولات التي لحقت ببنية المجتمعات المحلية وطالت طرق تعبيرها وسلوكها اليومي، تصورا انه منذ التسعينيات اخذت تنمو ظاهرة الاستبداد والهيمنة داخل اطراف المجتمع والاستقواء على البعض؛ حتى في المؤسسات الاهلية والمدنية، حيث تشير احدث الدراسات ان هناك اكثر من 60 % من المؤسسات الأهلية العربية تعاني من هيمنة الشخص الواحد الذي يبقى على رأس المؤسسة لاكثر من عقد ولا يتنازل عن كرسيه بالانتخاب ولا بغيره.
كان ابن تيمية يقول ان سبعين عاما تحت نير حاكم مستبد خير من ليلة واحدة تقضيها الأمة تتلظى نار الفتنة، وفي العصور الوسطى الأوروبية يروى ان العامة ابتدعت مقولة لمواجهة انفتاح أحد القياصرة تقول "ان الحرية وسيلة ابتدعها القيصر كي يستعبدنا"، وكله خطاب تسويغي وتبريري لا ندري كيف يتم انتاجه في كل مرة، وهو ذاته الخطاب الذي يزدهر اليوم في العالم العربي يُحطب تحت نار الانتماءات الأولية ويعيق فرص التفاهمات التاريخية الكبرى، ويعطل حركة المسار التاريخي للاندماج الاجتماعي، ما دامت هذه الانتماءات تخدم مصالح أخرى تطبخ في الغرف الخلفية بمعزل عن إرادة المجتمعات واولوياتها.
ومن المفارقات المؤلمة أن معظم حالات الاشتباك الأهلي في آخر عامين جاءت مفرغة من أي مضمون سياسي أو اجتماعي حقيقي، ما يفسر أنها حالة احتقان توظف لتحريك حالة سياسية، تُرى كم يسهم غياب الدولة بمفهومها السياسي والاجتماعي في إحداث كل هذا الفراغ والاستقواء؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد