أول درس تعلمته ضد الانحياز الأعمى كان في أواسط السبعينات مع صدمة الكشف عن الجرائم المروعة للخمير الحمر في كمبوديا. كنّا نهلل كماركسيين ملتزمين أشد الالتزام بمعسكر الاشتراكية والثورة العالمية في مواجهة الإمبريالية كنّا نهلل لثوار الخمير الحمر المنتصرين في كمبوديا ونتجاهل بشدّة التقارير التي كانت قد بدأت تتوارد عن مذابح وإعدامات بالجملة لفئات اجتماعية كاملة وتفريغ المدن من السكان وإرسال كل الشعب الى الحقول للعمل في زراعة الأرز، وكنّا نجادل بشدّة ضد هذه الأراجيف للإمبريالية المهزومة في فيتنام ولاوس وكمبوديا، ثم حين ظهر الخلاف بين الجارين الاشتراكيين الفيتنامي والكمبودي واجتاحت القوات الفيتنامية كمبوديا وتم تحرير فنوم بنه من نظام بول بوت وظهر هول ما كان الخمير الحمر يفعلونه بهذا الشعب المنكوب، فكرت بما اقترفناه من إثم بحق الضحايا وبقيت أتذكر ذاك الإثم كلما قرأت أو رأيت شيئا وثائقيا عن تلك الحقبة الرهيبة.
تلك الصدمة سيلحقها تجارب متوالية أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم من قناعات...ولن أقول "راسخة" لفرط خشيتنا من "اليقينيات" ونحن نصحو كل صباح على شك فيما أقتنعنا به في الليل. وأندهش كثيرا في هذا الزمان الأخير كيف يعيد بعض الكهول خطابا جنينيا كما لو أنهم ناموا قبل حرب حزيران بيوم واستفاقوا هذا اليوم، فيتحدثون بكل جدّ عن معسكر "الممانعة" ويوقّع بعضهم على بيان يعلن فيه نفسه جنديا في المعسكر.
لقد رفعنا القبّعات لأداء المقاومة بقيادة السيد نصرالله، لكن موضوع الصراع يختلف الآن ونصرالله صرح بالفم المليان أن مهمته ليست تحرير فلسطين وهو فعلا لم يقل يوما أن لديه مهمّة تتجاوز مزارع شبعا. وفي إسرائيل اليوم من لا يمانع في وجود حزب الله في السلطة فوقتها سيكون مسؤولا عن الشعب والدولة اللبنانية التي يمكن تركيعها في أيام في أي مواجهة، فما الذي نتوقعه من معسكر الممانعة؟ هل ستحارب إيران عنّا؟ إيران تبني نفوذا هائلا ولكي تصبح في مواجهة إسرائيل يجب أن تقطع كل المسافة فوق العرب! وحينها لن تعدم الأسباب لتفادي الصراع.
خطاب الممانعة السوري قوي لكن يا ليت لو أنهم يكونون أكثر رأفة بشخصيات تقدمية نظيفة وعجوزة قضت في السجن عقودا دون وجه حق أبدا وترمى الآن فيه مجددا بصورة تستفز كل صاحب ضمير. ونحن في الماضي سخرنا حتى من عبد الناصر وهو يلقي المعارضة في السجون تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" فهل نقبل بعد نصف قرن بالقمع الأسود والفساد من أجل ما هو أقلّ كثيرا... نعني "الممانعة"!
مناسبة ما كتبته فوق هو التعليقات التي هللت لمقال أمس عن "هزيمة الاعتدال العربي" وترحيب أحد التعليقات بعودتي للتعبير عن "القواعد الشعبية"!
ليست وظيفة كتابة عمود صحافي يومي توسّل الشعبية، بل تقديم وجهة نظر أو تحليل مكتوب بطريقة جيدة ومتماسكة ومقنعة قدر الإمكان، ومن جهتي أكتب بقناعاتي كما هي وبحدود إدراكي للموقف كما هو عليه في تلك اللحظة، وانطباعي اليوم أن خط الاعتدال العربي في مأزق ويجب إجراء مراجعة. وقد زودني الصديق نهاد إسماعيل من لندن بتعليق يرى رفض أي تعاون مع أميركا بشأن موضوع العراق والملف النووي الإيراني وأسعار النفط. وكل هذا على قاعدة لقد خذلتمونا ونحن الآن نخذلكم، ويمكن أن أقترح أيضا قبول تسوية في لبنان تعطي حزب الله أكثر من ثلث مقاعد الحكومة وفتح حوار ودّي مع إيران!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري