الإسلام هو الديانة السماوية التي أوحى بها الله سبحانه وتعالى، إلى النبي العربي، وطلب إليه أن يبلغها الناس. فمصدر هذه الديانة، هو الله سبحانه وتعالى.أما التراث الإسلامي، فهو ما
ورثناه عن الأسلاف، من نتاج عقولهم، في تفاعلها مع الإسلام . فمصدر هذا التراث، هو العقل البشري، الذي حاول أن يتفهم الدين الإسلامي، ويفسره بطرائق مختلفة .
وهنا يجب أن نقرر، بأن ما كان مصدره الله، فلا ينسخه، ولا يغيره، ولا يبدله، إلا نص آخر صادر، من الذي صدر عنه النص الأول، وهو الله . أما ما كان مصدره اجتهادات العقول البشرية، فمن الممكن للعقول البشرية، أن تلغيه، وتستبدل به غيره .
وفي تاريخينا الإسلامي، وقع خلط بين الدين الإسلامي ومصدره، وبين التراث الإسلامي، ومصدره. فخصوصية المصدر، أو المنشأ، للشريعة السماوية، لا تعني أن تعاليم الإسلام، تحول البشر إلى ملائكة، إنما يظل البشر بشراً، بمن فيهم من الصالحين، والطالحين . وتظل الأرض أرضاً، يتنازعها الخير والشر . غاية ما هنالك، أن الشريعة السماوية، تطرح حلولاً أعمق لمشكلات الفرد، والمجتمع، وتوفر له إمكانية أفضل، لتحقيق الخير، وإقامة العدل بين الناس . وذلك كله لا سبيل إلى بلوغه، إلا بالناس، وخضوعاً لنواميس الكون، وقوانين الأرض، وليس بعصا سحرية، أو معجزات .
فهذا التراث الإسلامي، الذي نعتز به، ليس من صنعنا نحن، وإنما هو من صنع أجدادنا، وثمرة تفكيرهم، وعصارة أذهانهم، ولا فضل لنا فيه . بيد أنه ليس مقدساً، أو منزهاً عن الخطأ، ولا يجوز أن يتحول إلى حجر عثرة، تعترض الماشين في سبيل الحياة .
لقد التوت أعناق أجيال متعاقبة من المسلمين، وهم مشدودون إلى الوراء، منكفئون على الماضي، مشغولون بالذات، وحجتهم في ذلك كله، أن من يقطع صلته بما فات، لا رجاء له فيما هو آت . غير أن هناك فرق كبير، بين العاقل الذي يعتبر بماضية، بما فيه من دروس وعظات لحاضره، وبين الأحمق، مطموس الذاكرة، الذي لا يمكن إلا أن يكون عبرة لغيره. وإذا كان أساس الاعتقاد في الإسلام، هو البحث، والنظر، والعقل، والدليل، فإن هذا التراث الإسلامي، يجب أن لا يقبل على علاته، ويجب أن ينقل اهتمام الباحثين، من سرد الحوادث والتواريخ، إلى التفسير والتحليل والتعليل، ويجب أن تفرد القضايا الأساسية، وتفحص، ويعين موضعها تعييناً دقيقاً .
وأعتقد أن الماضي،لم يكن إلا لخدمة الحاضر، وإننا حينما نسترجع، هذا الجهد الفعلي والأدبي، إنما نحاول به، أن نجد حاضرنا ومستقبلنا، من خلال هذا الماضي . إذ يجب أن يكون باعثاً لتجديد هذه الصلة، في عصر اختفت فيه الحدود، إلا في مظهرها السياسي . هذا يعني أننا يجب أن نفكر، في توظيف التراث الإسلامي، لبناء المستقبل، نأخذ رسالة التراث للمستقبل، فنحن حضاريون، بكل معنى كلمة الحضارة، سواء كما تمثلت في الماضي الذي درسناه، أو في الحاضر الذي تعيشه شعوب العالم، على مستويات مختلفة من التحضير، أو في المستقبل الذي نعمل، للإسهام في بنائه .
فالحاضر جزء منا، ونحن جزء منه، رضينا بذلك أم رغبنا عنه، وعالمنا الإسلامي، لا يحيا منعزلاً في المجتمع المعاصر، ومفاتيح العصر من العلم، والتقنية، والقوة العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، ليست في يديه . هو جزء، مجرد جزء من هذه الخريطة العالمية، ومراكز ثقلها، ليست في أرض الإسلام، وعلى الذين يخططون للمستقبل، أن يكونوا على وعي بذلك كله .
|
صحيفة المثقفwww.almothaqaf.com العدد: 1055 الجمعة 22/05/2009 (ارشيف الاعداد)
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي الصحيفة بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
|