نتنفس الصعداء ونحتفل ونفرح مع لبنان واللبنانيين بانتخاب الرئيس ميشيل سليمان. لم يعد هناك فراغ رئاسي ونزاع على الشرعية وقد تعدّى لبنان عنق الزجاجة ومنذ اليوم فإن الخلافات، وهي سوف تستمر، لن تهدد السلم الأهلي. فاتفاق الدوحة أخذ التزاما واضحا من حزب الله يحرّم استخدام السلاح في النزاع الداخلي.
الاتفاق هو انتصار للبنان وليس لطرف على طرف، إنه بصورة لا لبس فيها انتصار للشرعية والنظام العام والمؤسسات الدستورية وبالنتيجة للناس العاديين جميعا، للمواطنين الذين عاشوا أسوأ الظروف وصوّتوا في استطلاع عربي قبل أسابيع أنهم الأكثر بؤسا وتشاؤما بين بقية مواطني الدول العربية مع أن اللبنانيين عادة هم الأكثر حيوية وإقبالا على الحياة واستمتاعا بها.
هناك تنازلات قدّمت في الاتفاق. الأغلبية قدّمت تنازلا بالفعل في نقطة واحدة فقد حصلت المعارضة على مطلب الثلث المعطّل (11 من ثلاثين وزيرا) لكن بوجود بقية عناصر الاتفاق لم يعد الثلث "الضامن" مشكلة، بوجود رئيس جديد للجمهورية والتفاهم على النظام الانتخابي والانتخابات لم يعد هناك أهميّة لنسبة الثلث وقد حصلت الأغلبية بالمقابل على نسبة النصف زائد واحد وهو ما يضمن تسيير الشؤون العادية وعدم شلّ الحكومة في حالة الاختلاف.
أمّا اعتماد "القضاء" أي الدائرة الأصغر في النظام الانتخابي فلا نعرف من أين جاء الوهم بأنه يرجّح المعارضة وسيتيح لها اكتساح البرلمان. فهذا المطلب الذي رفعه عون طالب به ايضا البطريرك صفير باعتبار أن الدائرة الصغيرة تمنع التحكم بالمقعد المسيحي من أطراف أخرى، وفي بيروت اعتبر تصغير الدائرة في غير مصلحة آل الحريري الذين كانوا يتحكمون بالقائمة في بيروت الكبرى، لكن ليس مؤكدا أن يكون التقسيم في مصلحة جهة بعينها.
في الحقيقة ان النظام الانتخابي للقضاء يكرّس فقط الهيمنة المحلية الضيقة وفق المرجعية العائلية والطائفية، وهي تشمل كل الأطراف، وكان الأفضل لو تمّ تأجيل هذا البند لدراسة مشروع حديث ومعقد بعض الشيء أعدته لجنة من الخبراء يراعي كل الاعتبارات ويساعد على تحديث النظام السياسي، لكن إصرار المعارضة على الرزمة الكاملة للاتفاق جعل الأغلبية تنزل عند الرأي بالأخذ بقانون عام 1960.
هل قدّمت المعارضة تنازلات؟ التنازل الأضخم هو القبول بالحلّ وانهاء الشلل والتمرد والاعتصام والعودة الى المشاركة وتفعيل المؤسسات الدستورية، فقد كانت المعارضة تتنقل في مطالبها تصعيدا أو تخفيضا وفق اللحظة السياسية. فقد كانت تريد رئيسا توافقيا وليس بالأغلبية وعندما وافقت المعارضة أرادت توافقا على كل شيء آخر بما في ذلك قائد الجيش البديل ونائبه وكل المناصب الرئيسة والحسّاسة، بالإضافة الى حكومة وحدة بالثلث الضامن وقانون انتخابات بديل.
ومن الواضح أن الظروف المستجدّة (تناولها المحللون بالتخمين، لكن يصعب الجزم بأهمية ومرتبة كل منها في حمل المعارضة على الوصول الى الحلّ). ولا شكّ أن اجتياح بيروت شكّل صدمه أخافت الأغلبية وزاد استعدادها للتنازل مقابل ضمان لجم سلاح حزب الله ووضعه قيد المساءلة والحوار.
النزاع اللبناني ساهم بقوّة في تظهير المحورين وصدامهما العلني محور ايران- دمشق ومحور دول الاعتدال العربي، لكن الاتفاق يكاد يشكل منعطفا لتخفيف حالة الاستقطاب الحاد والدخول في مرحلة جديدة تتداخل فيها الألوان. فالاعتدال المخذول من اميركا قد يصبح أكثر قابلية للتواصل مع طهران فيما انطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية يقلل من أهمية "معسكر الممانعة". وفي الأثناء تدخل الرئاسة الأميركية في غيبوبة وداعية لرئاسة موتورة وموتّرة لم تعد صاحبة قرار ما يخلق بعض الاسترخاء في المنطقة بانتظار الإدارة الجديدة.
مرّة أخرى نهنئ اللبنانيين بعبور المضيق الوعر، نهنئهم برئيس الجمهورية الجديد وقد أثبت حقا جدارته بهذا الدور فوق الأطراف، ونفرح معهم إذ نرى لبنان العزيز يسترد أمنه وعافيته وألقه الذي يستحقه بين أشقائه العرب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري