بعد نتائج سلسلة من الانتخابات البرلمانية التي شهدتها دول عربية عدة على مدى الأشهر الاخيرة، يطل السؤال المقلق برأسه؛ هل هزم التغيير للمرة المائة، والى متى يبقى دوام هذا الحال، في ضوء هذه الصيغة التعاقدية المشوهة بين المجتمع والسلطة. هذه الصيغة التي تعبر عن إفلاس الحياة العامة العربية تدل على استمرار عجز الأنظمة السياسية واستمرار دورانها حول ذاتها، واستمرار عجز القوى السياسية عن بناء مجتمع سياسي بديل، وبالنتيجة فإن السياسة كالربيع تموت مبكرا في هذا الجزء من العالم.
قصة عدم وجود البديل على قدر ما تبدو واقعية على قدر ما تحمل من تحقير للمجتمع والتاريخ، والتساؤل المستمر حول البرنامج البديل يبدو سؤالا ملتبسا وغير موضوعي ويعبر عن موت الحياة السياسية وإفلاسها لانه لا يقبل سوى بدوام الحال.
في وصف أحوال الحياة العامة العربية يسود الخلط بين الظواهر العامة التي يمكن ان يعاني منها أي مجتمع في مرحلة التحول الثقافي والاجتماعي في مسيره نحو بناء الدولة المعاصرة، وبين الأمراض الثقافية والاجتماعية المستوطنة والمستعصية منذ أجيال، ولعل هذا الخلط هو السبب الأهم لغموض مستقبل الكيانات العربية الراهنة، أي غموض الرؤية وضعف القدرة التحليلية في وصف الواقع ونقده وبالتالي تغيره.
وفي المحصلة، يبدو ان هذا الجزء من العالم الذي يحتضن المجتمعات القديمة التي شهدت ميلاد أوائل الدول والممالك والنظم السياسية، وشهدت التحولات الكبرى في الأفكار والعقائد، يقف اليوم عاجزا أمام مهمة استكمال بناء الدولة الوطنية نتيجة عجزه المباشر عن توفير مناخات وتهيئة تاريخية لميلاد مجتمع سياسي حقيقي؛ فالمسألة الموجعة والأكثر حاجة هي تعسر ميلاد المجتمع السياسي الذي يضمن استكمال بناء الدولة ويشد عودها، ومن دون المجتمع السياسي المكون من النخب والمؤسسات والأفراد لا يمكن تصور استكمال بناء الدولة الوطنية وتعضيد عناصر القوة فيها.
أحد مظاهر غياب المجتمع السياسي تحول السياسة الى فرجة؛ أبطال مشهد الفرجة السياسية يأتون من كل صوب وحدب، وأهم مظاهرها الاستعراض في الحملات الدعائية وحملات العلاقات العامة والإثارة وفنون كسب الود أو افتعال الأزمات وأحيانا إحياء معارك عمرها عشرة قرون، حيث تتحول السياسة الى مجرد فرجة درامية من دون مضمون حقيقي أو أهداف واضحة، ولا تخدم أكثر من تكريس الأوضاع القائمة وإعادة إنتاجها، تتحول السياسة الى مجرد فرجة لتفريغ الكبت ومشاعر النقمة ويتحول طموح الناس في المشاركة والنضال من أجل حياة أفضل، الى كفاح من أجل حقهم في الفرجة السياسية، وبذلك يصبح الحراك السياسي الانتخابي مجرد صورة كاريكاتيرية مضحكة وبائسة لأنماط إعاقة المشاركة السياسية، حينها يصبح شعار التغيير واحدا من عدة النصب والاحتيال التي يطورها السادة من أجل دوام الحال لا أكثر ولا أقل .
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد