انتهى موسم الانتخابات النيابية ونقف على أبواب موسم الانتخابات الطلابية للاتحادات الطلابية في الجامعات، وبينما شهدت الحالة الاولى تعبئة واسعة نحو دور الشباب ولم نلمس أي انعكاس لهذه التعبئة في النتائج، ولم يتذكر أحد الى هذا الوقت تقييم الممارسات التي تمت ووضعها في الميزان ، بينما نعود إلى نفس المربع الاول في التعامل مع ملف الانتخابات الطلابية واتحادتها وحشرها في الفهم الايديولوجي من قبل أطراف المعادلة الأخرى. لا يكفي للمبادرات الشبابية وللمؤسسات الحاضنة للشباب وفي مقدمتها الجامعات الاتكاء على إغراء التسويق الإعلامي لأهمية الشباب ودورهم وإيهامهم بالأدوار من دون إنجازات حقيقية من أجلهم، وأخرى من قبلهم.
التنمية الشبابية التي يحتاجها الأردن ليست مجرد استهلاك وترويج إعلامي، فمرحلة النعمة السكانية التي سيدخلها الأردن قريبا والتي تعني بأن قاعدة الهرم السكاني العريضة سيكون جلها من الشباب في سن الإنتاج، فرصة وتحد في نفس الوقت، وهي مرحلة قصيرة في عمر الشعوب لخلق القفزة المرجوة نحو تجاوز الحافة التنموية والعبور نحو الضفة الأخرى، وتجارب القرن الماضي تثبت أن المجتمعات التي استثمرت هذه المرحلة واشتغلت على تنمية شبابية فاعلة وبكفاءة قد حققت مرحلة عبور الحافة التنموية وحققت نماذجها التي نشاهدها اليوم في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وغيرها، والمجتمعات التي أهملت هذه المرحلة ماتزال غارقة في تفاصيل مشاكلها المزمنة. التنمية الشبابية المطلوبة في الأردن تحتاج فكرا مغامرا ورأسمال مغامر يعملان معا على تغيير المفاهيم التعليمية والاقتصادية في المجتمع الأردني من تعليم ينتج طلاب وظائف إلى تعليم يصنع الوظائف ويراكم رأس المال ويقود التغير الاجتماعي والثقافي.
ما يزال مفهوم التنمية الشبابية لدينا غامضا، فلقد أبدعنا في تصميم الهياكل العظمية وعجزنا عن كسوها بشيء من اللحم. ما تزال معظم جامعاتنا التي من المفترض ان تكون أكبر بيوت الخبرة الشبابية عاجزة عن الانتقال نحو بيئات جاذبة للتنمية الشبابية المطلوبة من أجل اقتصاد شبابي جديد، فلقد استهلكنا وقتا طويلا في الجامعات بالحديث عن الربط مع الصناعة في مجالات البحث العلمي وفي مجالات تأهيل الطلبة من دون جدوى.
لم تطور جامعاتنا ومؤسساتنا الشبابية حاضنات حقيقية للأفكار المبدعة، ولم تلتفت أن تجعل التقنية الإبداعية جزءا من منهجية التعليم، بل العكس ما حدث؛ فالبيئة الجامعية خلقت حالة تضامن سلبي غريب مع انتهازية السوق حينما فشلت في خلق صلات حقيقية مع مجتمع الأعمال، فالشراكة بين الطرفين في المحصلة تضامن ايجابي للطرفين؛ وأمثلة التضامن المصلحي المبدع متعددة في مجالات إنشاء مراكز للأفكار غير التقليدية، وصناديق لرأس المال المغامر وحاضنات للأعمال والأفكار الابتكارية .
ماذا لو طرحت شركات الاتصالات مبادرة لإنشاء عشر حاضنات أعمال تقنية في الجامعات، وماذا لو طرحت شركات مبادرة لإنشاء عدد من حاضنات الأعمال في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، وماذا لو طرحت البنوك نسبة سنوية من أرباحها لرأس المال المغامر لبناء شراكات مع طلبة الجامعات وهم على مقاعد الدراسة. هناك مئات الأمثلة من عالم الأعمال لرجال أعمال كبار بدأوا كمغامرين صغار وهم على مقاعد الدراسة وبدأوا مشاريعهم الصغيرة وهم طلبة، ومن أمثلتهم في العالم العربي صاحب مجموعة الراجحي إحدى اكبر المجموعات الاستثمارية في المنطقة والشيخ صالح كامل صاحب اكبر استثمار إعلامي في العالم العربي، هؤلاء بدأوا وهم طلبة. وعلى سيرة الاستثمار في مستقبل الإعلام، ماذا لو طرحت الصحف اليومية مبادرة لحاضنات إعلامية لطلبة الجامعات المبدعين في هذا المجال.
إن بناء ثقافة تحتفي بالنجاح تستدعي تطوير أدوات إطلاق عنان الخيال الابتكاري المبدع لدى طلبتنا في المدارس والجامعات، فالخيال الفردي هو رأس مال وطني ومنجم لا ينضب، والنظام التعليمي الذي يخلو من تنمية هذا النمط من القدرات، وفي المقدمة القدرة على المغامرة العلمية يخضع في الحقيقة لبرمجة قاسية من القيود والتعليمات المبهمة، وهو مصدر الإرباك والحلقة المفرغة التي ندور فيها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد