تستقبل المجتمعات العربية العام الجديد هذه المرة بحالة مجتمعية وسياسية مائعة أقرب ما يمكن ان توصف بـ (البلاهة التاريخية)، وعلى الرغم من ان ما يمكن ان نرصده في نهاية هذا العام هو تكرار لدوامة مستمرة لم تتوقف، الا ان دوام الحال وتراكم الانكسارات والخيبات يمنح في لحظة ما رؤية تؤكد أن الايام الطويلة ليست متشابهة.
الايام الطويلة بالفعل ليست متشابهة تماما، وهذا ما يجعل حال المجتمعات العربية اكثر اثارة ودراما، لا قديم يموت هنا، ولا جديد يولد، وكل قديم يموت ويزول هنا، هكذا تقف هذه المجتمعات امام عقدها التاريخية المتدحرجة ببلاهة عدمية؛ أعقد لحظة في الصراع حيث لا افق لأي تسوية، أعقد لحظة في علاقة النظم السياسية مع مجتمعاتها، وأعقد لحظة في انكشاف فشل التنمية والتحديث.
تزداد يوماً بعد يوم حالة اليأس والاغتراب السياسي والثقافي في المجتمعات العربية، وتطال الأفراد والنخب ومؤسسات المجتمع المدني على حد سواء في أجواء من الاختناق المعنوي، وازدياد الشعور باللاجدوى وتعمق الإحساس بفقدان القدرة على المجابهة. ولن نأتي بجديد اذا قلنا إن اللحظة التاريخية السائدة اليوم التي تحياها المجتمعات العربية تعد من أقسى لحظات الاغتراب وفقدان القدرة على المجابهة والتغيير منذ عقود عديدة؛ حتى في لحظات الهزائم التاريخية خلال القرن الماضي كان ثمة طاقة دافعة الى الانتفاض على الذات.
لا شك أن المجتمعات العربية لم تعرف، خلال العقود القليلة الماضية، إلا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة، ولا يوجد شك في أن الحركات الاجتماعية السلمية الجديدة كشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي، وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية العربية وأزمتها الخانقة مع الجماهير، حينما عجزت عن تصعيد مطالبها وتحويلها إلى أفعال سياسية، كما عبرت هذه الحركات عن إفلاس أنوية المجتمعات المدنيـة وفقرها السياسي والمجتمعي. وبالتالي، كشفت هذه الحركات عن إمكانية البحث عن مجال سياسي عام جديد، يستوعب مضامين سياسية واجتماعية جديدة، وأدوات مختلفة للتعبير عن المطالب، ولغة أخرى لبناء أنماط التحالفات وحراكا شعبيا هادفا إلى انتزاع التغيير وبناء مجتمعات ديمقراطية جديدة، ولكن فجأة أثبتت هذه الحركات، ومن حيث لا ندري عدمية أخرى.
يبدأ الاغتراب السياسي وينتعش، حينما يتسلل الشعور في البداية بطيئاً بافتقاد الفرد حقه في الوطن، ثم يزدهر حينما يتصرف المسؤولون ورموز السلطات وكأن البلاد والأوطان امتداد لذواتهم، ثم يقود هذا الاغتراب إلى الانسحاب التدريجي الذي يأخذ عدة اشكال أهمها اللامبالاة إلى رفض المشاركة والانكفاء على الذات، ثم الهرب ليس مشيا بل هرولة، واخيرا انتحار الوطن داخل الذات.
إن أسرار حالة الاغتراب والرغبة المكبوتة بالانسحاب التي تجتاح المجتمعات العربية تتغذى من حالة الاختراق الأجنبي والخضوع المباشر للهيمنة السائدة في العلاقات الدولية وحالة الانكشاف التي تكرست بشكل كبير، إلا أن مصادرها الحقيقية تكمن في علاقات الداخل بالداخل قبل علاقات الداخل بالخارج، فالعنف الذي يصدر اليوم للخارج هو أحد أشكال التفريغ للعنف الذي يمارس منذ أجيال في الداخل في العلاقات المستبدة الظالمة والمستندة إلى عدم الرغبة في الدخول نحو معترك التغيير الحقيقي، فهي نتيجة شبه منطقية لما لاقته هذه المجتمعات من إهمال وإحباط وقسوة وفشل. ومن المعروف انه كلما اتسعت فرص المشاركة السياسية والمجتمعية بشكل عام ساعد ذلك على الاستقرار وترسيخ شعور الأفراد بذواتهم وترسيخ مفهوم الوطن، وكلما ضاقت تلك الفرص يتعاظم الشعور بالاغتراب والتناقض والابتعاد بين الفرد وبين مؤسسات النظام وتعبيراته ورموزه، ويبدو ذلك في انعدام القدرة السياسية، أي شعور الفرد بعدم القدرة في التأثير على سلوك مؤسسات النظام، أي انعدام المعنى السياسي للمجتمع والدولة معا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد