تشهد الجماعات الأولية اضطرابات جوهرية في سلوكها العام حينما تتعرض علاقتها مع المحيط والمؤسسات الى تشويه واختلالات عميقة. ومن أمثلة هذه الجماعات انماط العلاقات القرابية، الجماعات العشائرية والعائلية، الجماعات الجهوية والمناطقية، الجماعات القائمة، أنماط الاستقرار والاستيطان، حيث يزداد لديها الإحساس بالتهديد الخارجي والداخلي معاً؛ فالعلاقة مع الخارج قائمة على الاضطهاد والتهميش والموقف منه إما انسحابي أو هجومي تدميري، والعلاقة مع الداخل قائمة على الندية والتوازن والشعور بالاحتماء باعتبار الداخل هو المرجع والملاذ.
حينما تزدهر الجماعات الأولية، تعمل ماكينة الدمج الداخلي بقوة على إبراز ملامح ورموز وتعبيرات تحتمي بها الجماعات وتشكل أساس الهوية الفرعية، ويبرز في هذا الوقت وهم الاسم الجماعي الذي يبرر في أحيان كثيرة العنف والاضطراب والتعدي على حقوق الآخرين وتدمير الذات تحت بريق وهم هذا الاسم.
يعوض الإنسان المقهور عن عجزه الفردي بالاحتماء بالجماعة. وبقدر تعاظم الخطر الخارجي بقدر تعاظم الإحساس بالتهديد للذات والمصير. وبينما يميل الإنسان المقهور إلى الذوبان في الجماعة، في المقابل نجد أنه كلما ازداد الفرد شعورا بالقوة المعرفية والتحرر الذاتي نراه يميل إلى الفردية والاستقلال.
كلما زاد الشعور بالتهديد أو بفقدان الحقوق أو التهميش، ازداد التعاضد والذوبان بالجماعة المرجعية لدرجة قد يفقد عندها الفرد استقلاليته وذاتيته. أكثر الناس تعلقاً باسم الجماعة المرجعية الأولية إما فرد متسلط يحظى بأكبر الامتيازات من خلالها، أو فرد مغبون مقهور وفاشل ليس لديه سوى وهم الاسم.
وبقدر انغلاق الجماعة المرجعية وازدياد قدرتها على التذويب أو الدمج داخلها، تزداد نرجسيتها وشعورها بالامتلاء والاعتزاز بالذات الجمعية، ينعكس ذلك في شعور الفرد وسلوكه بينما هو ينفي ذاته.
العلاقة الدمجية داخل الجماعة تعيد ترتيب نمط توزيع القوة داخل المجتمع وداخل الجماعة المرجعية نفسها، فأكثر الأفراد ذوباناً في الجماعة المرجعية وتعصباً لها، هم في معظم الأحوال أشدهم عجزاً عن الاستقلال وتحقيق الذات، وهم الاكثر تعلقا بوهم الاسم ودفاعا عنه.
ومن هنا يبدو واضحاً ان التعصب المفرط لتقاليد الجماعة ومعاييرها، وحدّة ردود الفعل على كل من يحاول خرقها من الداخل أو الاعتداء عليها من الخارج يجعل العنف السلاح المتاح لإعادة شيء من الاعتبار المفقود إلى الذات والتصدي لكل اشكال التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي ايضا.
في المجتمعات المهمشة ينمو الشعور بالقهر والانكفاء نحو الذات بالبحث عن الجماعات الأولية. ويترجم ذلك بإحساس الإنسان بأنة متروك ليواجه مصيره من دون حماية فعلية أو ضمانة أكيدة للحاضر والمستقبل، ما يجعله يمارس عنفاً آخر هو العنف السلبي المرتد نحو الذات. ويتخذ هذا النمط من العنف أشكالا وتغيرات عدة منها:
-العنف الانسحابي: أي الرضوخ للتهميش والاستغلال الذي قد يكون من قبل الآخرين أو من قبل الدولة وسلطاتها او مراكز القوى والطبقة المتنفذة. ونتيجة عجز هذه المجتمعات المهمشة عن الحصول على حقوقها وشعورها بالضعف، فإنها في الحقيقة تمارس عنفاً مقـنّـعاً متخذاً شكل السلوك الرضوخي، ويظهر الاحتماء بوهم الاسم لتبرير هذا العنف والتعايش معه.
-العنف المرتد على الجماعة ذاتها: وهو نتيجة لتراكم العنف المقـنّع من المستوى الأول أي الانسحابي، الأمر الذي يُحدث تحولات كيفية عبر الزمن نتيجة زيادة التناقض وعدم إمكانية استمرارية الرضوخ إلى ما لانهاية، حيث يتحول العنف الانسحابي إلى عنف مرتد على الجماعة ذاتها من خلال انفجار العنف داخل الجماعة ومع الجماعات الأخرى المجاورة. وهنا ايضا تبدو قوة الصراع على وهم الاسم، ويتخذ اشكالا متعددة، منها الانقسام الى المزيد من الاسماء الفرعية، او الادعاء من قبل كل طرف بالدفاع عن الاسم الاصلي.
على كل الاحوال، يزدهر وهم الاسم ويتعاظم وتبحث جماعات جديدة عن اسماء في دفاترها القديمة وأخرى تخترع اسماء من الوهم، بل وتنتكس أطر اجتماعية مدنية وترتد في البحث عن وهم الأسماء، كل ذلك نتيجة عجز الدولة عن حماية اسمها وترسيخه فوق كل الأسماء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد