ما تزال الأوضاع في تونس غامضة، ولا أحد يمكن أن يرسم سيناريو الأيام القادمة، كما هو الحال قبل أسابيع قليلة حينما لم يتوقع أحد أنّ تتطور الأحداث إلى ما آلت اليه. فثورة الياسمين التي استحقت هذا الاسم باعتبارها ثورة بيضاء سلمية من دون دماء غزيرة، كما قد تشكل فاتحة لفجر تونس الجديد وهو ما نتطلع إليه ونتمناه، فإنها قد تنعكس للأسف نحو هاوية مظلمة أخرى تضيف المزيد من الهوان إلى المشهد العربي.
الحسم الشعبي الذي خطفه الشارع التونسي بهذه السرعة، بقدر ما استُقبل بعواطف جماهيرية دافئة ليست فقط من الشارع العربي بل وعلى مستوى العالم، صدم بشكل أو بآخر المجتمع السياسي الدولي، وهو الأمر الذي بدا واضحاً في الخطاب السياسي الرسمي الخجول لمعظم دول العالم، وفجرته بوضوح وقسوة تصريحات الزعيم الليبي الذي طلع من بين البشرية كلها يدافع عن ديكتاتور أطاح به شعبه وترك بلاده في جنح الليل.
فمشاهد الفرح بانتصار ثورة الياسمين تحولت في نهاية اليوم إلى حالة من الذعر العام، وانتشار العصابات وأعمال النهب والصدامات المتكررة على مدار الأسبوع، إلى جانب حالة من الإرباك السياسي. وجميع هذه المظاهر يمكن أن تُفهم الى حد ما في إطار طبيعة التحول الدراماتيكي السريع الذي جرت فيه الأحداث، وهو الأمر الذي يتبدد مع الزمن، لكن الأمر الذي لا يفهم يبدو في طبيعة الإحلال السياسي الجديد الذي أعاد النخبة السياسية التي خرجت من الباب مرة ثانية من النافذة، كما هو الحال في التعاطي الغامض للمجتمع الدولي مع ما يجري هناك.
توجد قراءات متعددة تصب في النهاية في حالة من غياب الطمأنينة حول مستقبل تونس الديمقراطي القادم لدى حكومات غربية عديدة. وعلى الرغم من خلو الثورة التونسية من أي مضامين أيديولوجية أو رموز إسلامية أو غيرها، فإن واحدة من بين أكثر القراءات الغربية حذرا تتوقع فترة ممتدة من الغموض والإرباك قد تستثمرها قوى إسلامية متطرفة.
فالحكومات الغربية التي لم تجد أمام الخيار الديمقراطي الشعبي المباشر سوى أن ترحب بشجاعة الشعب التونسي وبانتزاعه للحرية من نظام يوصف بسجل حافل من القمع والاضطهاد وتكميم الأفواه، تلك الحكومات تدرك أنها خسرت واحداً من أقوى حلفائها في لحظة حرجة، وهو الحليف الذي حمل عنها ملفات عديدة من بينها ملف محاصرة الحركات الإسلامية المتطرفة وغير المتطرفة على حد سواء؛ فآخر الوثائق التي كشفت من عهد الرئيس السابق تشير إلى تعميم رسمي سري صادر عن وزارة الداخلية التونسية يدعو إلى تشديد الرقابة على المساجد ومتابعة النساء المحجبات مع مواصلة عمليات الطلب والمداهمة والتفتيش على العناصر السلفية ومقاهي الإنترنت على حد سواء.
المفاجأة الكبرى التي دفعت كثيرين للتلفت حولهم تمثلت في أنها المرة الأولى التي يفعلها الشارع العربي بالإطاحة بديكتاتور من دون أن يأتي حلم الديمقراطية على دبابات الغزاة أو عبر صناديق اقتراع يهيمن عليها الإسلاميون.
ما يفضي إلى الخوف أكثر من مرة؛ أولئك الذين يريدون ديمقراطيات على مقاسهم يتحكمون فيها من وراء البحار، وأولئك الذين يعتقدون أن الديمقراطية المنتظرة جاءت قبل أوانها، ومن أولئك الذين يعتقدون أن لديهم مناعة أبدية ضد كل تغيير.
الياسمين التونسي محاصر من الداخل والإقليم ومن العالم، ولعل هذه الحالة تجعلنا نقف عند لحظة يمكن أن تدفعنا لإعادة النظر في كل ما رددناه خلال العقود الأخيرة حول آليات التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية ومن يقف خلفها ومن يعيقها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد