اشترت إسرائيل العالم وباعته على مدى ستة عقود بالسياسة والدعاية. وتُثبت الأحداث أن هذه البضاعة ستبقى قابلة للتسويق حتى في لحظات التطرف الحالكة التي تفرضها النخبة الإسرائيلية الحاكمة، كما يثبت ذلك ردود الفعل الباردة على العدوانية المتوالية ضد القدس وآخرها هدم منزل الحاج أمين الحسيني المعروف باسم فندق شبرد، وإعلان إسرائيل عن سعيها للاستيلاء على الأراضي التي تحيط به، لإقامة حي استيطاني مكانه، إضافة إلى ما تقوم به من تحطيم للأضرحة وهدمها والنية لإنشاء جدار عازل آخر.
قانون السلوك السياسي الإسرائيلي في البيئتين الدولية والإقليمية قام على مبدأ الاصطياد العدواني في لحظات فاصلة، مقابل التسويق السياسي الناعم. فكلما ازداد بروز مخالب الماكنة العدوانية في الحرب والتدمير والتهجير والإبادة في لحظات الاصطياد، كانت إسرائيل تدفع بنخب مقبولة في بعض مراكز القوة على مستوى المجتمع الدولي وتعيد إنتاج صورتها من جديد. اليوم تملك إسرائيل جرأة المغامرة التاريخية بأن تواصل عدوانيتها القاسية، مع استمرار تصعيد نخبة متغطرسة ومتطرفة من طراز إفيغدور ليبرمان، وهو ما يعد خارج تقاليد السلوك السياسي الإسرائيلي.
وعلى الرغم من أن العدوانية الإسرائيلية لم تتوقف منذ نشأة هذا الكيان، إلا أن العالم الذي بقي يصم آذانه عن سماع الحقيقة هو اليوم أمام واحدة من سلالات العدوانية المتكررة التي تنسف فكرة التعايش من أساسها كما تبدو في أوضح صورها في الموقف من الاستيطان؛ إنه تطور خطير يجب على العالم المتحضر مراقبته؛ فالعالم ليس كله الولايات المتحدة وإسرائيل, ذلك أن السلالة العدوانية المتجددة تطرح بقوة إجابة واحدة من دون دبلوماسية ولا قشور سياسية على أسئلة عديدة طالما تكررت خلال السنوات الأخيرة، وتبدو اليوم في الأفق المغلق الذي يروج للحل الإسرائيلي بصيغة الدولة الميتة، ثم إغلاق ملف حق العودة واستبداله بصيغة الكيان القابل للتفريغ، بمعنى حل الدولة الميتة المقطعة الأوصال التي تسمى على الخرائط المؤقتة بالدولة الفلسطينية، وهو الحل الذي سيرفضه الفلسطينيون حتما، ثم تعود الأحداث من حيث بدأت إلى دائرة المقاومة والعنف المتبادل الذي سيمنح شرعية أكثر لمواجهات لا أحد يستطيع توقع آفاقها أو نتائجها وربما امتداداتها أيضا.
إنها السلالة العدوانية التي تتوالد حتى باسم السلام والتسوية. ثمة تصميم على التوالد العدواني إلى حد أسطورة المسادا التي يذكرنا بها القادة الاسرائيليون؛ وهي الوصفة المعرفية التي تعفي العالم الذي لا يدري من البحث عن جذور الإرهاب ومصادر الكراهية وأسرار كل هذه النقمة والمشاعر المتجددة بالإحباط.
تخرج المنطقة من غيبوبة الإغراق بوعود التسوية والحل المقبل التي أغرقت العالم منذ احتلال العراق بفائض من الأمنيات، بعد كل ما حدث، وبعد المواقف الاميركية الفارقة لا يحق للولايات المتحدة ان تسأل عما تسميه جذور الإرهاب، وعلينا نحن أن نكف عن المداراة والبحث عن أسباب خارج الحقيقة والتاريخ، فالإجابة واحدة ما دامت السلالات العدوانية قادرة على التوالد.
الشارع العربي اليوم يعيد تعريف العدو مجدداً، ثمة ناقوس خطر يدق بقوة إذا بقي في العالم من يسمع غير صوته، وثمة مراجعة خطيرة تنال وجدان الناس وعقولهم ووعيهم بعد مرحلة العراق وغزة ولبنان وأخيرا تونس إذا لم يتغير العالم بالفعل هذه المرة. ولعل هذا الشعور بالظلم السياسي المتراكم تاريخياً تحول بالفعل إلى ثقافة مضادة أخذت مع الزمن تبتعد عن مصادرها الأولى، وترتبط بأشكال مفزعة من الوعي المفارق والإحباط الذي يدفع للتضحية بكل شيء. وفي الجهة الأخرى تتوالد سلالات من العدوانية لا تعبر عن ذاتها بالعنف المباشر وحسب، بل وفي السياسة. وما يزال العالم يصغي لها وما تزال عواصم دول العالم المتحضر والديمقراطي تستقبل شخصية متطرفة وعدوانية على شاكلة ليبرمان.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد