في تاريخ الاحتجاجات منذ نشأة الامارة الى مظاهرات الجامع الحسيني والمحافظات يوم الجمعة الماضي، ثمة قانون يحتكم اليه الناس في علاقتهم بالدولة، ملخصه ان الحركات الاحتجاجية الاجتماعية هي القادرة على انتزاع التغيير وليس التنظيمات السياسية. وهذا ما يبدو أن بعض القوى السياسية قد استوعبته وتحاول البناء عليه رغم أن المفارقة ما تزال واسعة وبعيدة.
الثابت الآخر الأكثر أهمية يبدو في وظيفة الحركات الاحتجاجية الاجتماعية ودوافعها؛ بمعنى متى يحتج الناس ولماذا، ومتى تمتلك احتجاجاتهم إرادة صلبة لا تتوقف إلا عند انتزاع التغيير أو المواجهة؟ الوقائع الاردنية منذ حركات العشرينيات في عهد الامارة مرورا بحركة الجنوب 1989 والحركات التي تبعتها في التسعينيات تعود بنا في الجوهر الى اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع حيث تبرز القواعد العريضة البعيدة والقريبة أكثر حساسية وتنبها وقدرة على التعبير المباشر.
منذ سنوات أخذت الكتابات المحلية تردد مفهوم ( اختلال العلاقة بين المجتمع والدولة)، ما الذي يعنيه هذا المفهوم عمليا، وهل يجيب عن السؤال المركزي، لماذا يحتج الناس، وبالتالي اكتشاف ما الذي يحتمله الاردنيون وما لا يحتملونه.
الوقائع التاريخية والمؤشرات تؤكد أن المجتمع الاردني من أكثر شعوب الأرض قدرة على تحمل ظروف ندرة الموارد ونقمة الجغرافيا، وهو ما ينعكس على تاريخ الفقر والعوز والنضال الاجتماعي الذي لم يتوقف في مواجهة هذه الظروف المزمنة، التي حافظت على تحالف المجتمع.
وكذا الامر في تاريخ الجوع، فالذين عض آباءهم الجوع يستوعبون تحولات وإنجازات التحديث الاجتماعي والاقتصادي والتي تذكرنا بأن مجموع الناتج الوطني الأردني عام 1952 لم يتجاوز 51 مليون دينار وارتفع في نهاية عام 1967 إلى 175 مليون دينار، أما موازنة الحكومة فقد كانت 54.870 مليون دينار عام 1966، وفي حين كانت الصادرات الأردنية في عام 1950 لا تتجاوز مليونا ونصف المليون، بلغت الواردات 10 ملايين ونصف مليون دينار، ووصلت الواردات الأردنية عام 1969حوالي 67 مليون دينار، والصادرات 14 مليون دينار فقط حيث تكشف ذاكرة الارقام الاردنية صعوبة اقتصادية معقدة ومزمنة.
الذي لا يحتمله الاردنيون والذي يفسر اختلال العلاقة بين المجتمع والدولة يختصر في الفساد، يحتمل الناس الفقر كما يحتملون الجوع ويقدرون ظروف الدولة الاقتصادية، ولا يبحث سsssssسسسsسوبالخبرة التاريخية لا يحتملون الفساد الاقتصادي ولا الفساد السياسي والاداري، وهو ما يفسر حاجة الناس الى الطمأنينة الحقيقية، ولا تتشكل هذه الطمأنينة الا باستدارة حقيقية وصارمة في كشف الفساد الاقتصادي والسياسي واجتثاثه وإعلاء دولة قانون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد