هل ما يزال مفهوم الجماهير يصلح لوصف القوى الفاعلة في الحركات الاحتجاجية العربية الجديدة في تونس ومصر، والتي تتدحرج ناثرة النار هنا وهناك؟ يبدو أننا بحاجة لتغيير أدواتنا العلمية ومفاهيمنا التقليدية حول قوى التغيير وأدواته، بل بحاجة إلى وضع مفهوم قوة الناس في سياقه التاريخي والعلمي.
هذه القوة موضوعها الناس، وهدفها الناس، ووسيلتها الناس، ووعيها يصوغه الناس، بعيدا عن قوة الأفكار المسبقة، وقوة التسييس والتعبئة الدينية وهيمنة النخب والطلائع، ما يوفر قوانين فارقة تخلق سلطة الناس.
ينمو الرفض والدعوة للتغيير وسط الازدحام، وينفجر التعبير عنهما جماعياً، ويحمل المجتمع على أكتافه مشروع التغيير وينتج أدواته وتقنياته للتعبير السلمي عن الرفض والاحتجاج، تلك الأدوات التي تفرز مضامين معبرة عن ثأر للكرامة أكبر من المطالب الاقتصادية وضغوط الحياة المطلبية، حيث ترتبط هذه الأدوات بخصوصية الثقافة المحلية وبأشكال التعبير المحلي عن الاحتجاج والرفض في الثقافـة الشعبية. ولطالما يتم استدعاء التراث الاجتماعي، وربما استدعاء الأبطال الشعبيين من الذاكرة الجماعية، وما يدور حولهم من قصص وأشعار ورموز وتحويلها إلى رصاص بارد في معارك المواجهة والتحريض على التغيير عبر إنعاش ذاكرة الناس وبناء مخيلة جديدة تتوق للتغيير وتؤمن بعدم استحالته.
لا شك أن المجتمعات العربية لم تعرف خلال العقـود القليلة الماضية إلا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة. ولا يوجد شك أن الحركات الاجتماعية السلمية الجديدة كشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي، وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية العربية وأزمتها الخانقة مع الجماهير، حينما عجزت عن تصعيد مطالبها وتحويلها إلى أفعال سياسية، كما عبرت هذه الحركات عن إفلاس أنوية المجتمعات المدنيـة وفقرها السياسي والمجتمعي، وبالتالي فهذه الحركات كشفت عن إمكانية البحث عن مجال سياسي عام جديد يستوعب مضامين سياسية واجتماعية جديدة وأدوات مختلفة للتعبير عن مطالب يقظة الكرامة، ولغة أخرى لبناء أنماط التحالفات وحراك شعبي هادف إلى انتزاع التغيير وبناء مجتمعات ديمقراطية جديدة.
الحركة الاحتجاجية الكبرى الجديدة تطلق مشروعاً مجتمعياً للتغيير السياسي والثقافي أيضا يبنى على قاعدة شعبيـة حقيقية لها برنامج عمل لا يمكن الاختلاف حول خطوطه العامة، يلتقي حوله الجميع في المقاومة السلمية للظلم السياسي ومصادره المتفرعة في الظلم الاجتماعي والثقافي، وتشتق رموز هذا النضال السلمي من الثقافـة المحليـة ومن ذاكرة الناس وهمومهم وأشواقهم.
هذا الأمر يطرح أسئلة أخرى حول أهلية الحركات القائمة لقيادة سلطة الناس، فهل هي قادرة بالفعل على استعادة الناس لأوطانهم وأقلها إعادة أصوات الناس إلى حناجرهم للتعبير بإرادتهم وبالشكل الذي يرغبون فيه عن مطالبهم وحاجتهم للتغيير؟ إنه سؤال اليوم التالي الذي ينقلنا مرة أخرى من ساحات المدن وشوارعها الهادرة في تونس والقاهرة إلى البرلمانات وصناديق الاقتراع.
منذ هذا الوقت علينا أن نتوقف أمام مفهوم جديد يختبر في ساحات المدن العربية لأول مرة هو "قوة الناس" التي تصوغها أنماط جديدة من الثورات الشعبية في آليات العمل والتنظيم والقوى الفاعلة والتعبيرات والرموز.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد