تحتفل نقابة المهندسين بيوبيلها الذهبي وهي بالفعل تعيش حقبة ذهبية. عدد المهندسين ينوف على 72 ألف مهندس، ونسبة البطالة صفر تقريبا في جميع أنواع الهندسة بما فيها المعمارية والمدنية. لا يتعطّل الخريجون أبدا ومن لا يعجبه العمل هنا يذهب الى الخليج. وتحصّل النقابة اشتراكات من الأعضاء ورسوما من المكاتب الهندسية ونسبة على مخططات البناء جعلتها أغنى النقابات على الإطلاق ناهيك عن صناديق التقاعد والتأمين التي يمكن استثمار أموالها في مجالات متعددة. ثم بعد ذلك أتت موجة ارتفاع الاراضي والاستثمار العقاري لتضاعف فرص وثروة النقابة وما تقدمه من خدمات لأعضائها فبفعل قربها وظيفيا كانت المهندسين أقدر النقابات على التعامل مع موضوع الأراضي شراء وبيعا واستثمارا وفي مشاريع إسكانية للمهندسين. وبهذه الإمكانيات تدير النقابة الآن المشروع الضخم لبناء مجمع جديد لجميع النقابات المهنية.
كل هذا رائع وهو مكسب ليس للمهندسين فقط بل وللمجتمع المدني وللديمقراطية التي تشكل النقابات المهنية أبرز أعمدتها. لكن ثمّة ملاحظتين يجب قولهما أيضا بهذه المناسبة: الأولى أن التيار المسيطر على النقابة ذهب بعيدا في استثمار هيمنته وتجييرها لمصلحة لون بعينه سياسيا، والثاني أن ما يأخذه على الحكومات موجود فيه وأكثر وأن ما يطلبه منها بالنسبة للإصلاح والديمقراطية والشفافية جدير بالتطبيق في النقابة لتكون مثلا يحتذى ما دام أنه سيد القرار فيها.
أبدأ من النقطة الأخيرة وهي الشفافية فقد أثارت قيادة النقابة زوبعة وصنعت أزمة ووضعت قدمها بالحائط حتى لا تسمح لديوان المحاسبة بالتدقيق على حساباتها! بدعوى رفض التدخل الحكومي! مع أن الديوان لا يملك سلطة أو قرارا فهو يقدم فقط تقريرا سنويا للحكومة ومجلس النواب ومن صلاحياته مراقبة المؤسسات العامة وكانت قضايا فساد سابقة في بعض النقابات دفعت للمطالبة برقابة الديوان بل أصبح هذا شعارا انتخابيا لبعض القوائم حرصا على الشفافية، وميزة الديوان أنه مستقلّ لا يتقاضى أجورا بعكس مكاتب ومحاسبي القطاع الخاص الذين تدفع لهم النقابة والأصل أن تقول قيادة النقابة ها هي أبوابنا مفتوحة وليس لدينا ما نخفيه أو نتستر عليه. والنقابة تدير أموالا بمئات الملايين والتستر يغوي  والشفافية والعلانية تردع، وهناك قصص تروى عن إثراء البعض بسبب وجودهم في مواقع القرار، وسأضرب نموذجا طازجا فقبل أيام اتصل بي مهندس شارك في مشروع إسكان على قطعة أرض اشترتها النقابة منذ سنوات وقررت مؤخرا الغاء فكرة الاسكان وإعادة النقود لأصحابها وبالسعر المقدر لقطعة الأرض اليوم وهو حوالي 45 ألف دينار بدلا من 5 آلاف دينار السعر الاصلي، لكن القرار كان كالتالي: من دفع الأقساط كاملة يأخذ المبلغ  كاملا وهو تسعة أضعاف المبلغ الأصلي لكن من سدّد جزءا من الأقساط يحصل فقط على الحصّة المقابلة لما سدّده أي أن من بقي عليه ألفا دينار يكون قد فاته استرداد 18 ألف دينار. ولنضع جانبا إجحاف القرار بحق من لم يكملوا السداد ولنتخيل كم يستفيد من تسرب لهم القرار قبل إعلانه فسارع لدفع كل أقساطه! وكم من الفساد يمكن أن يتحقق بهذه الطريقة وأمثالها لمن عنده سلطة إدارة أو معرفة القرار.
ونقابة المهندسين بوصفها أكبر النقابات المهنية تلعب قيادتها الدور الرئيس في تجيير ثقل النقابة لمصلحة التيارالسياسي الإخواني والحماسي وهو ما حرصت على تجنبه القوى الأخرى حين كانت لها القيادة فمارست دورا وطنيا جامعا لا يظهر فيه اللون الحزبي، ولعل البعيدين عن العمل النقابي لا يعرفون التفاصيل ولن أدخل فيها الآن لكن يكفي أن يدخل أي غريب على المجمع ليعتقد أنه في مقر هيئة أركان حماس وسوف يرى أن كل قاعة في المجمع مسماة باسم شهيد لهذا التنظيم بالذات!! لماذا لم يخطر على بال النقباء الفتحاويين في حينه تسمية قاعة باسم أبي جهاد مثلا! ومع الأسف أن معظم الفاعليات النقابية لا تجرؤ على الاعتراض حرجا، لكنني لا اتحرج أبدا من التذكير بهذا الاستقواء الطارئ وغير النزيه بالشهداء لفرض لون تنظيم بعينه، وأسأل ألم يخطر على بال الاخوة تسمية بعض القاعات باسم الراحلين من كبار النقابيين الأردنيين والرواد المؤسسين مثل د. حسن خريس، كمثال فقط.
امّا بالنسبة للديمقراطية والمشاركة فالمهندسين مثل كل النقابات تعاني من غربة الأغلبية وإحساسها بالتهميش ولمعالجة هذا الأمر طرحت أفكار للإصلاح النقابي وكنت ممن ساهم بقوّة - وربما بحدّة - في  المطالبة بالإصلاح. من هذه المقترحات استبدال الهيئات العامّة الحالية التي يجتمع فيها مائة مهندس من خمسين ألفا ويتخذون القرار نيابة عنهم استبدالها بهيئات عامّة تمثيلية بنسبة واحد عن كل مائة مهندس مثلا وبأسلوب التمثيل النسبي لضمان مشاركة كل التلاوين والانتماءت والمصالح بصورة متوازنة، ومع إقرار الاخوان المبدئي بهذا التوجه فهم لا يظهرون أي نيّة لتغيير الوضع الراهن الذي يتيح تفردهم وتهميش البقية. النقابات بحاجة الى إصلاح هيكلي يعزز المشاركة والرقابة والشفافية ولا يجوز أن نرفع هذه الشعارات في وجه الحكومة ولا نطبقها حيث نكون في موقع القرار.
تحية للنقابة في عيدها الخمسين وهي مناسبة عظيمة للاحتفال لكن أيضا للمراجعة والتبصر في سبل التقدم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جميل النمري