فوجئنا امس ان جلالة الملك في بغداد وبذلك فإن سرية التوقيت حققت نجاحا تاما هذه المرّة، وكان انتشار الخبر مسبقا هو الذي أودى بمشروع الزيارة قبل اسابيع لأسباب أمنية كما يتضح الآن وليس لأسباب سياسية.
من حين لآخر يشكو القادة العراقيون ابتعاد العرب ومقاطعتهم, وغالبا ما يرد ذلك في سياق تحميل العرب مسؤولية التمدد الايراني الكاسح داخل العراق. عن حق أو باطل فهذه الشكوى لها أساس في الواقع وفي بعض الاحيان بدا كما لو ان العرب كعادتهم يريدون انقاذ الموقف الشكلي على حساب الفعل الموضوعي. فالبعض لا يريد بعض سفراء حتى لا يظهر انه يعترف بالاحتلال وهو لا يفعل ولا ينوي ان يفعل شيئا لدحر الاحتلال، وهو لا يريد التعامل مع الحكومة العراقية تحت الاحتلال فيما يتعامل ليل نهار مع المحتل نفسه.
العراق لن يعود الى الوراء ومن الحكمة وحسن التدبير التعامل مع الواقع القائم والتأثير فيه، بدل الانكفاء الى موقع المتفرجين الى ان نضطر للتعامل مع واقع هو اسوأ من ذاك الذي كنّا نتفرج عليه، لم يخفِ الأردن قلقه على اللاتوازن في العملية السياسية وعلى السنّة الذين عانوا من التهميش الخطير بإطاحة الجيش ومؤسسات الدولة التي استبدلت بالميليشيات الطائفية، وبذل الأردن جهودا ودعم إعادة التوازن للعملية السياسية, ولعلّ الممارسات الوحشية الرعناء للقاعدة بحق كل الأطراف بما في ذلك ابناء المناطق التي سيطرت عليها قادت الى صحوة جديدة بين السنّة حيث المقاطعة والرفض والإرهاب لا تقود الى العدم فقط وترك العراق الى التقسيم والحرب الأهلية.
زيارة جلالة الملك خطوة كبيرة على هذا الخطّ الصحيح، خط الانفتاح وإظهار النوايا الطيبة تجاه الجميع في العراق حيث لا يمكن المضي قدما لاستعادة العراق موحدا آمنا مزدهرا باستبعاد أو معادة اي مكوناته. وزيارة جلالة الملك الى جانب عودة سفير اردني هناك تدفع خطوات الى الأمام دور الاردن بقدر ما يحتم الواقع هذا الدور مع بلد جار وشقيق يعيش مئات الألوف من ابنائه بين ظهرانينا دون ان تكون قد ظهرت ولو مشكلة أو حادثة مما يحدث بوجود جاليات خارجية بهذا الحجم.
التعاون والتكامل في عدّة ميادين من الأمن الى الاقتصاد وحركة الناس والبضائع ستأخذ دفعة جديدة تبني على ما حققته الزيارة، أمّا الملف الذي ينتظر الاردنيون على أحرّ من الجمر تحقيق تقدم فيه فهو نقل النفط العراقي الى الاردن؛ فالاتفاقية لم تفعَّل بسبب مشكلات على الجانب العراقي وليس الاردني وربما يكون الأمن هو المشكلة الابرز, لكن بشيء من العزيمة يمكن معالجة هذا الجانب ايضا. ونتوقع ان تبذل الحكومة العراقية جهدا جادا الآن من اجل أن نرى النفط العراقي يعود كما كان ذات يوم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري