في مرحلة بناء الدولة الوطنية، تزيد أزمات التحديث المشهد السياسي–الاجتماعي تعقيدا، وينشغل الناس بالهوامش والتفاصيل قبل حسم العناوين والتوافق على المفاهيم.
لا تزيد الأحداث والتطورات المحلية والإقليمية مشهد تنمية الوطنية والمواطنة الأردنية إلا المزيد من الاختلالات والتشويه، بكل ما تحمله مفاهيم الوطنية والمواطنة من مضامين سياسية وثقافية واجتماعية، تنعكس في الوعي والممارسة على درجة عالية من الأهمية والتقدير المصيري، وعلى درجة مفتعلة من الحساسية والخجل السياسي غير المبرر.
كما وقعنا في السابق في خطأ احتكار تيار سياسي للدين بصفة منحته عبر الأجيال شرعية وقوة لا يمكن اليوم منافستهما بسهولة أو احتواء قدرة هذه الجهة على التعبئة وأحيانا التحريض؛ وهي الجهة التي تعدها طبقة سياسية واسعة وفئات اجتماعية عريضة بأنها تمثل مصالح فئة جهوية واحدة بما يتناقض على طول الخط وعرضه مع أبجديات الثقافة السياسية للوطنية والمواطنة معا، يتكرر الأمر في قصة ادعاء احتكار الوطنية الأردنية عبر تنظيمات سياسية بعينها، الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة هادئة ومرنة بعيدا عن المصادرة والاصطفاف والتصفيق؛ فما يزال المسار التاريخي لبناء تشتبك فيه الوطنية الأردنية بالمواطنة الأردنية في جدل مبدع في أولى خطواته، وما تزال التحديات كبيرة بينما الأرض مليئة بالألغام والأحاجي فيما يبدو أن إصلاح العلاقة بين الوطنية والمواطنة هي الخطوة الحقيقية للإصلاح السياسي من دون مداراة أو لف ودوران.
أنصاف الحقائق والأيديولوجيا الذرائعية الممعنة بالخيال السياسي كما أسهمت في السابق في ضياع أوطان، تسهم اليوم بشكل أو آخر، إذا ما استمرت بهذه الطريقة، في ضياع مجتمعات وقضايا ودول. فالمواطنة تعني في أبسط فهم لها العلاقة القانونية والسياسية بين المواطن والدولة، وهي العلاقة القائمة على منظومة الحقوق والواجبات المدونة والتوافقية. والوطنية خلاصة العلاقة بين المواطنة والتاريخ والجغرافيا، وأهم مخرجاتها الهوية الوطنية والشعور المشترك والانتماء لمنظومة رمزية واحدة، وهي التعبير الثقافي للوطنية. لا تخبرنا الأيام، ولا الأخبار الطوال أو القصار، عن أمة أو شعب أو فئة اجتماعية في أمة ما، أنجزت مهمتها التاريخية في بناء الاندماج الاجتماعي والتكامل السياسي بالمطالبة بالمواطنة وبتخليها عن الوطنية، والعكس أيضا بتمثل الوطنية وعدم الالتزام بالمواطنة.
تمثل عملية الاندماج الاجتماعي والتكامل السياسي مسارا تاريخيا لا يكتمل بين ليلة وضحاها، ولا يمكن أن يُترك إلى ما شاء الله من دون مراجعة ومراقبة، لأن المجتمعات غير المندمجة اجتماعيا وغير المتكاملة سياسيا تبقى تعاني من سيولة عالية تعد مصدر التهديد الأول لمصيرها، بينما يعد الاختبار الحقيقي لمستوى الاندماج والتكامل في تبلور نهائي لمنظومة المصالح واندماجها بالعواطف والشعور بالذات، كما تعبر عنه الوطنية وتعبيرات الهوية المتعددة، وعادة ما يكون الرهان على نضوج هذا المسار بشكل لا يقبل المساومة مع الجيل الثالث من الأبناء.
المجتمعات والنخب هي التي تؤسس الدول، والدول بمؤسساتها تعبر عن الحقيقة الاجتماعية القائمة على الأرض عبر مسارها التاريخي الطويل. والدول هي المعنية باستكمال عملية الصهر الاجتماعي وحماية الهوية وصياغتها المركزية وضمان حق الثقافات الفرعية في التعبير في سياق الهوية المركزية، والدولة بمؤسساتها هي المسؤولة، أولا وأخيرا، عن إصلاح العلاقة بين المواطنة والوطنية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد