لا نريد أن يكون الزخم وقوة الدفع في محاصرة منافذ الفساد، وتقديم الملف تلو الملف، مجرد أداة من أدوات تفريغ الحالة السياسية الراهنة في البلاد، أو مجرد مناورة سياسية ودعاية رسمية، بل ما يتطلع إليه الأردنيون في هذا الوقت هو كيف نمأسس بنية مؤسسية متينة في سد منافذ الفساد ومحاصرته، من خلال بناء مقاومة ذاتية في المؤسسات والمجتمع تجتث كل جذور الفساد، وتؤكد أن يد المؤسسات الرقابية طويلة، ويمكن أن تصل كل مكان، كما يمكن أن تصل إلى ملفات مضى عليها عشرون عاما وأكثر.
قامت الحكومة هذا الأسبوع بتحويل ملف دراسة الجدوى الاقتصادية والمالية لمشروع مياه الديسي إلى محكمة أمن الدولة باعتبارها جريمة اقتصادية تمس الأمن الاقتصادي، بناء على تنسيب دائرة مكافحة الفساد. وتبع ذلك مباشرة حجز تحفظي على أموال مسؤولين سابقين في مؤسسة "موارد" ورجال أعمال. وهذا هو الملف الأول، فيما ينتظر الرأي العام الأردني سلسلة من الملفات حول قضايا مؤسسة استثمار الموارد الوطنية وتنميتها (موارد)، وقضايا صندوق المشاريع التنموية والاستثمارية الخاصة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
يأتي ذلك وسط تصريحات، وأحيانا تسريبات رسمية بأن عاصفة مكافحة الفساد الأردنية تشتد يوما بعد يوم بما يتجاوز الثأر الشخصي بين رئيس الوزراء الحالي وما لحق بحكومته الأولى من شبهات، إلى إعادة بناء منظومة النزاهة الوطنية من جديد في التشريعات والمؤسسات والإجراءات والممارسات، وهو ما ستثبت الأسابيع القادمة مدى جديته، وإلى متى ستصمد الإرادة الجديدة على مواقفها. فالمعلومات اليوم تتحدث عن تحقيقات وعمليات إيقاف، وملفات تفتح لعشرات المسؤولين السابقين والحاليين.
إذا كانت شخصية اقتصادية واحدة مرتبطة بسلسلة لا تنتهي من قضايا الفساد، وكل يوم نكتشف أنها تفرخ بيضا فاسدا جديدا، فكيف سيكون الوضع حينما نحفر بعيدا في ملفات الفساد من مشاريع الخصخصة إلى صندوق الأجيال، مرورا بالمناطق التنموية والخاصة وملفات أراضي الخزينة، وملفات المباني العامة وعقارات الدولة وبيوت الجيش وتنظيمات مهنية وجامعات، علاوة على الموارد الاستخراجية من البوتاس إلى الفوسفات والزجاج والمقالع، وصولا إلى أموال الفقراء وصناديقهم، والمؤسسات والمبادرات التي أطلقت من أجلهم ولم تنج من الابتلاع. وجميع هذه الملفات وغيرها الكثير يتحدث عنها الشارع، وسبق أن سربت المؤسسة الرسمية معلومات حولها وما يزال الشارع ينتظر الكلام الفصل فيها. 
إلى هذا الوقت، وبالمقارنة مع عمر الحكومة الحالية، فإن وتيرة الإنجاز على هذا الصعيد في حدود المعقول، حيث قامت الحكومة بدعم دائرة مكافحة الفساد فنيا وبشريا، وما تزال هذه الدائرة بحاجة إلى المزيد من الدعم؛ فطبيعة عملها مركب ومعقد يتداخل فيه القانوني مع المالي مع عشرات المجالات الفنية المتخصصة، ما يعني عمليا الحاجة إلى تدشين بيوت خبرة حقيقية، وما نزال بانتظار الخطوة المهمة والاختراقية بفصل هذه الدائرة عن الحكومة، ومنحها استقلاليتها لكي تكون أكثر قدرة على الحركة وأكثر شفافية ونزاهة.
الفساد يتلون ويمكن أن يتخذ وسائل قد لا تخطر على بال أحد في التحصن وفي الدفاع عن مكتسباته غير الشرعية. لا تستغربوا أن يركب رموز الفساد من وراء الستائر هذه الموجة أو تلك، وربما ينزلون إلى الشارع ويمارسون السياسة من أجل خلط الأوراق وإرباك المشهد كما فعلوا سابقا، احذروا!

 

بقلم: د.باسم الطويسي​​​​​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   د.باسم الطويسي   العلوم الاجتماعية   جريدة الغد