كأننا ننعى عالم القطبية الواحدة والتفرد الأميركي؟! يتلهف الكتاب والمعلقون على استخراج هكذا دلالات من الاحداث الأخيرة في جورجيا وبوادر عودة الحرب الباردة، واذا كان شيء من الانحياز المسبق والكراهية للسياسات الأميركية يؤثر على استخلاصات كثيرين، فإن آخرين لا يمكن وصمهم بهذا يناقشون بجد "عالم ما بعد أميركا" وفق تعبير رئيس تحرير النسخة العربية لجريدة نيوزويك فؤاد زكريا.
ويوم الأحد الفائت 24/8 نشر فرانسيس فوكوياما صاحب مقولة نهاية التاريخ مقالا في الواشنطن بوست عن "عودة التاريخ"، يقول فيه إنه مهتم باستجلاء شكل اللحظة الدولية الجديدة بسبب المقالة التي كتبها عام 89 تحت عنوان "نهاية التاريخ"، وجادل فيها بأن الأفكار الليبرالية سجّلت انتصارها الحاسم في نهاية الحرب الباردة. هو يقرّ "أن الهيمنة الأميركية على النظام العالمي باتت تتبدد اليوم" بينما روسيا والصين تقدمان نموذجا من الاستبداد والتحديث يقدم تحديا واضحا للديمقراطية الليبرالية و"يبدو أن لديهما الكثير من المقلدين".
والحقيقة أن المقالة عن نهاية التاريخ ومنذ نشرها قبل ما يقرب من عقدين وهي تحوز على كمّ من التعليقات أكثر من أي مقالة أخرى على الاطلاق، وأكثر من قيمتها العلمية. ولعل الإثارة والحسم ( وهو حسم يصعب الإقدام عليه في بحث علمي) حول الانتصار النهائي لليبرالية كما يمثلها الغرب والولايات المتحدّة هو ما اعطاها كل تلك الشهرة، رغم أن اغلبية المفكرين والمؤرخين كانوا يرون أنها تفتقر الى الرصانة العلمية؛ اذ لا يمكن الجزم بما يخبئه التاريخ بعد انتصار النموذج الديمقراطي الليبرالي على سواه وخصوصا منافسه الرئيس في ذلك الوقت وهو النظام الاشتراكي والشمولي. وفي مقاله الأخير تحت عنوان they can go only so far يستمر فوكوياما في الاعتقاد أن النماذج المطروحة حاليا على الطريقة الروسية والصينية والايرانية لا تشكل بديلا قادرا على مواجهة النموذج الديمقراطي الليبرالي، لكنها تثبت وجودا بعد أن كان الحديث يقتصر على "الاستثناء الصيني".
رغم لقاء فوكوياما في البداية مع اليمين الجمهوري فهو اخذ مسافة انتقادية قويّة على اداء ادارة جورج بوش التي دمرت صورة أميركا وسمعتها ولعلّ ذلك اضعف كثيرا قوّة المثال للديمقراطية الليبرالية، والان ثمّة اقرار بأمر واقع يقلص كثيرا حلم رؤية النموذج الليبرالي ينتصر على نطاق عالمي، وليس الذنب فقط على الادارة الأميركية فمن جانب آخر قد لا تكون المجتمعات الأخرى ناضجة وقادرة على تطبيق هذا النموذج ، فقد استعادت روسيا تماسكها وسيطرتها مع رئاسة قويّة وسلطوية بدرجة معينة. ولا يمكن لأحد أن يتكهن بمصير الصين لو افلت الحزب الشيوعي الزمام وفي الجزائر الآن يخشون تطبيق مبدأ الولايتين ويريدون تعديل الدستور من أجل ولاية ثالثة لبوتفليقة خوفا من البدائل المجهولة.
بالطبع هذه ليست نماذج تنافس النموذج الليبرالي حين يبرز مرشح أسود ينطلق كالصاروخ الى قمّة المنافسة وتجد اقسى خصومه على تمثيل الحزب يصطفون وراءه بصورة رائعة في الأيام الثلاثة الماضية لمؤتمر الحزب الديمقراطي. وليس بسبب قوّة النموذج الروسي نصطف في العالم الثالث مع بوتين وميدفيديف ضد بوش ورجله في جورجيا بل بسبب القهر والغضب من سياسات التفرد الأميركية ورغبة في تحجيمه.
على غير توقع فان تقلص نفوذ أميركا وهيمنتها سيعيد للنموذج الأميركي جاذبيته وقوته المعنوية لكن دون طموح للهيمنة على القرار الدولي. لن يكون التراجع الأميركي دراماتيكيا؛ لكن على محدودية التراجع فالفراغ سيترك حراكا مضطربا وتعددا غير مستقر واعادة تموضع في التوازنات تشكل مرحلة قلقة للغاية وربما خطرة، وسيكون النجاح هو في الحيلولة دون تحول التجاذبات والقلاقل الى نزاعات مسلحة وحروب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جميل النمري