تفصلنا أيام قليلة عن البدء بتطبيق قانون الأحزاب الجديد في منتصف نيسان المقبل، والذي خلق حالة من الإرباك في وسط الأحزاب الأردنية، التي ترى أن وجود هذا القانون يشكل عقبة كبيرة في وجه تطور الحياة الحزبية الأردنية التي تعود في جذورها إلى بداية تأسيس الدولة الأردنية، فمن وجهة نظر القادة الحزبيين أن القانون الجديد يتعارض بشكل كبير مع مبادئ أساسية في الدستور الأردني تنص على إعطاء الأحزاب هامشا للتحرك لاستقطاب الأعضاء فيها ومنح الأردنيين حرية العمل السياسي، فالقانون الجديد يخالف المادة 15 من الدستور خاصة المتعلقة بحق إبداء الرأي.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الدراسات التي أعدت حول الأحزاب وخصوصا في مجموعات الحوار النوعي" focus groups " أظهرت عزوفا كبيرا لدى الناس عن الانخراط في الأحزاب السياسية ما يعيق تطور الأحزاب وتكوين قواعد جماهيرية لها في داخل المجتمع، إذا ما أضفنا إليها كذلك الشروط الجديدة التي وضعت في القانون الجديد الذي سيطبق قريبا، من حيث الطلب من المنظمين إلى الأحزاب إخراج "شهادة عدم محكومية" ما يعني في المحصلة النهائية تراجع العديد من المواطنين عن الانضمام للحزب عند الطلب منهم استخراج شهادة عدم المحكومية، فهذا الشرط يزيد من نسبة الخوف لدى الناس من الانضمام إلى الأحزاب وهي بالأساس متخوفة من الانضمام قبل وجود هذا الشرط، ويهدد بشكل كبير استمرار كثير من الأحزاب الموجودة حاليا.
وهذا يعني أن الأحزاب الأردنية تمر بأزمة وجود حقيقية مع اقتراب الموعد النهائي لتصويب أوضاعها بناء على قانون الأحزاب الجديد الذي يشترط أن يكون عدد أعضاء الحزب 500 عضو وموزعين على خمس محافظات، وهي بذلك تكاد أن تكون" أحزابا برسم الحل" إذا ما سرى قانون الأحزاب الجديد، فالكثير من الأحزاب تستطيع جمع 500 صوت بسبب الإمكانيات المادية المحدودة، وكذلك عزوف الناس عن الانخراط في هذه الأحزاب وبتالي ستحل العديد من الأحزاب في حال تنفيذ هذا القانون، كما أن اغلب الأحزاب الأردنية ستواجه صعوبة كبيره في تطبيق بنود هذا القانون ما سينعكس سلبا على مجمل الحياة الحزبية في الأردن، وتسري بعض الشائعات في الأوساط الحزبية الأردنية عن قيام بعض الأحزاب بشراء عضوية الأشخاص بالمال.
وفي ذات السياق الهادف إلى المضي قدما في تطبيق بنود هذا القانون تأتي تصريحات وزير التنمية السياسية حول القانون الجديد، إلى أن القانون سيطبق على الحزب الذي لم يقم بتصويب أوضاعه في إشارة إلى حل الأحزاب غير المستوفية لعدد الأعضاء، ويضيف أن القانون يوضع ليطبق ولن يكون هناك استثناءات في تطبيق القانون، ويشير وزير التنمية السياسية إلى أن "القانون أضاف امتيازات للأحزاب كموضوع التمويل وتشجيع الانتماء للأحزاب، كما أن هذا القانون ليس نهاية المطاف في تطوير الأحزاب إنما الأساس هو امتدادها وانعكاسها على المواطن". ورغم حديث الدكتور ناصر الذي يشيع بالأمل في أن الأمور سوف تسير في صالح الأحزاب السياسية إلا انه حتى الآن لم تقم سوى خمسة أحزاب فقط من أصل 38 حزبا بتصويب أوضاعها القانونية وفق القانون الجديد ، في حين ما تزال بقية الأحزاب تستكمل جمع أوراقها لتقديمها خلال شهر واحد قبل انتهاء المدة القانونية التي منحها إياها القانون.
هذه الأسباب مجتمعة مضاف إليها ضعف الإقبال على الانخراط في الحياة الحزبية، تجعل من مهمة استمرار الأحزاب في الساحة السياسية الأردنية مهمة صعبة للغاية، تتعارض والمسار الديمقراطي الذي اختطه الأردن منذ العام 1989 ، ويعطل ركنا أساسيا من أركان العمل الديمقراطي، في حين ستخضع هذه الأحزاب لقوانين "الدارونية "في البقاء للأصلح ليس على قاعدة الانتخاب الطبيعي ولكن على قاعدة قوانين نرى من الضرورة إعادة النظر بها لتعديل مسيرة الحياة الحزبية وتطويرها بما يتناسب مع الرؤية الديمقراطية للحياة السياسية المستقرة إلى تساهم في خلق نموذج ديمقراطي يساعد في تطوير المجتمع السياسي، وبالتالي تحقيق مجتمع عصري تنسجم فيه وحدات المجتمع المدني مع بعضها.
فلاشك أن العمل العام يستحق إعادة النظر فيه وتفعيله، من اجل المساهمة في إثراء التجربة الحزبية التي يمتد عمرها في الأردن إلى ما يقارب الثمانين عاما وتفعيلها ، فليس من الحكمة إيقاف عجلة التطور عبر المزيد من القوانين التي تجعل المواطنين عازفين عن الانخراط في الحياة العامة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد جهاد المحيسن