تشكل الصحافة المكتوبة عنصرا فاعلا ورئيسيا في قيادة الرأي العام وتوجيهه بشكل يتسق وطبيعة الحدث المعالج، بحيث تستطيع هذه المعالجات أن تؤسس سياقا يحشد القراء لفكرة ما حول موضوع محدد، وعلى رغم الانتشار الواسع للمواقع الالكترونية الإخبارية والصحافية على الشبكة العنكبوتية، ودورها المتنامي في تشكيل الرأي العام وخصوصا أن مساحة الحريات فيها أوسع منها في الصحافة المطبوعة لعدم خضوعها المباشر لسلطة الرقابة سواء أكانت من قبل القائمين على المطبوعات ذاتها أو من قبل الدولة، وكذلك قدرة القراء لهذه الموضوعات على المساهمة بشكل مباشر في القضايا المطروحة مما يساعد في نزوع اكبر من قبل المواطنين للتعامل مع هذه المواقع بشكل اكبر من التعامل مع الصحافة المطبوعة، إلا أن الصحافة المطبوعة تبقى الفاعل الرئيسي في تشكيل الرأي العام وتوجيهه نحو أهداف قد تكون محددة!
وعند المراجعة لبعض المعالجات التي تتم في الصحف الأردنية لبعض القضايا نجد انه وبشكل عام تنقسم تلك المعالجات وخصوصا لدى كتاب المقالات إلى ثنائيات تكون في الغالب الأعم متقابلة، عندما تتم الكتابة حول موضوعة محددة تتصل بحدث محلي أو عالمي أو عربي، وتبرز هذه الثنائيات من خلال تلك المعالجة من قبل الكاتب الذي تستطيع من خلال تناوله الموضوعات إن تحدد خلفياته السياسية وتوجهاته نحو الفكرة التي يتم التعاطي معها، بحيث يصبح حال هذه الثنائية محكوم بطبيعة ما يفكر به الكاتب وما يريد وليس بحقيقة الفكرة أو الموضوع المعالج من حيث المبدأ.
وتلك الثنائية ليست ظاهرة أردنية وليست محصورة أيضا في الصحافة المطبوعة، بل أصبحت كذلك ظاهرة في الفضائيات العربية والعالمية، الأمر الذي يستدعي وضع تصور نقدي يستطيع من خلاله القارئ والمشاهد على حد سواء وضع نفسه في مسافة بين تلك الثنائية، ولعل الصحافة الالكترونية هي التي ساهمت في وضع هذا المسافة النقدية.      
ولعل ما حدث مؤخرا في لبنان شاهد حي على كثير من هذه الثنائيات التي تحكم واقع الصحافة المكتوبة في الأردن، وعلى الرغم من أهمية هذه المعالجات ودورها في تقييم ما حدث في لبنان إلا أنها تؤكد فكرة رئيسة مفادها أن الانقسام والثنائية في تناول الموضوعات هو وليد فكرة مسبقة وتصور عام حول فكرة محددة دون الولوج إلى عمق الحدث والبحث في بواعثه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإقليمية، فمثلا من ضمن هذه المعالجات التي تؤكد ما ذهبنا إليه كتابة احدهم في صحيفة يومية عن مراسل قناة الجزيرة "غسان بن جدو"، وانحيازه من وجهة نظر الكاتب إلى المعارضة اللبنانية، وتحديدا حزب الله، تلك المعالجة في ذلك المقال لم تصل بالقارئ إلى نتائج مقنعه حول طبيعة هذا الانحياز ولا توجد فيها مادة تحليلية نقدية تستطيع أن تقنع المتلقي، إلا من خلال حديثه عن أن مراسل الجزيرة أصبح برأي الكاتب مثل الإخوة "الشيعة" في طريقة لباسه "بحيث انه لم يعد يلبس الكرافتات"، وهو بذلك يصبح برأي الكاتب منحازا لطرف على حساب طرف فيما حصل في لبنان.
تبدو تلك المقاربة الخالية من مضامين نقدية لمعالجة الأزمة اللبنانية تعبر عن ضحالة في التحليل والانسياق وراء تبني وجهة نظر مغايرة لما يحدث في لبنان وانحياز لقوى الموالاة في وجه المعارضة، وتلك الصورة الانطباعية عن الشيعة لا يرتدون الكرافتات حملتها ذاكرة الكاتب، ولم يستطع إن يعبر عن موقفه السياسي حيال ما يحدث في لبنان إلا من خلال القول بـ"شيعية مراسل الجزيرة"، ولكن هذه "الشيعية" مربوطة ليست بقدوم الإمام المنتظر"عجل الله فرجه" ولا بولاية الفقيه، وإنما بـ"كرفتته"!
نماذج أخرى تعاملت مع الأزمة اللبنانية نحت اتجاهات تصب في ذات سياق الانقسام والثنائية فقد تجد كاتبا متحمسا لدعم المعارضة وحزب الله يعالج ما حدث بطريقة تصب في خدمة أفكاره المسبقة عن الحزب والمعارضة، وآخر ينهج نفس النهج في حديثه عن حكومة السنيورة والموالاة، بحيث يصبح القارئ في حيرة من أمره دون أن يبني تصورا واضحا حيال ما يحدث حول أي موضوعة تطرح من قبل الكتاب، بل انه أصبح يمتلك القدرة النقدية على تصنيف الكتاب أنفسهم في خانة الموالاة والمعارضة ذاتها!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   جهاد المحيسن