يقدم الأردن حصادا تنمويا مشرفا بالمنظور الكلي في معدلات التعليم والخدمات العامة والبنى التحتية، بالمقارنة مع معادلة الموارد والظروف المحيطة، ولكن الوقائع على الارض خارج عمان وبعض مراكز المدن الرئيسة تكذب تلك المقولات التي يتغنى بها الاردن الرسمي منذ عقود، وهو ما تؤكده الشواهد في المحافظات هذه الايام، الامر الذي يطرح سؤالا عميقا؛ هل فشلت التنمية المحلية؟ وهل نحن بحاجة الى التوقف ومراجعة هذا الملف بجرأة وجدية وعمق.
  لن تقدم الأرقام الكلية ومعدلات الإنجاز حصانة سياسية حقيقية قابلة للصمود اذا ما جد الجد، ما دامت الارقام لا تعكس وقائع على الارض في معاش الناس اليومي. ألم يكن النظام التونسي قصة يتغنى بها الغرب كله في الحداثة وفي معدلات التنمية الكلية، وفجأة اكتشف العالم بؤس أرقامهم في المقارنة المفزعة بين قصور نخب مدن الساحل مع صفيح الناس في الجنوب وفي طول البلاد وعرضها.    الأردن لا يقارن بالاسوأ للتبرير بل يقارن بالأفضل، حيث تتحمل النخب الحكومية التي أدارت البلاد خلال العقدين الماضيين مسؤولية التراجع الكبير الذي ضرب التنمية المحلية وحول المجتمعات المحلية في المحافظات إلى جزر معزولة تعاني الأمرين من الإهمال والتهميش، أو إلى بيئات للطامحين بالموارد المحلية وبالامتيازات باسم الاستثمار، حيث لا ينتهي النهار حتى نكتشف اننا نغوص في وحل من الفساد وبيع الناس مشاريع وهمية وزائفة.
من رم وقرى الديسة في اقصى الجنوب مرورا بمعان والطفيلة وصولا الى المفرق وبرقش وعجلون ثمة امثلة مزعجة على بيع الناس الاوهام والمشاريع الزائفة التي لم يفز بها الا رأس المال الطامح بفرص ريعية قائمة على النهب والفساد. على سبيل المثال تقدم قصة قرى رم والديسة نماذج على الاقتصاد المشوه الذي قام باسم التنمية المحلية، جانبا منه في القصة المعروفة في الزراعة والمياه والتي تقدم المثال الواضح  للنهب جهارا نهارا لموارد الناس وثرواتهم، وآخر في شركات المواشي المستوردة التي حولت منطقة القويرة الى مناطق منكوبة بيئيا ولا حول للناس هناك ولا قوة الا ان يستقبلوا كل صيف موسما من الأمراض والأوبئة والجرذان من دون فائدة أو طائل. 
هذه الخلاصات ليست انطباعات في مقال صحافي، بل نتائج بحوث علمية كتبت طوال العقد الماضي ولباحثين غربيين، وهناك أكثر من أربع دراسات نشرت في مجلات علمية أجنبية عن فشل التنمية في وادي رم والديسة فقط لأسماء عنيت بالدراسات الأردنية مثل الأميركي (Brand, L.A) والفرنسية (Geraldine Chatolord)، وجميعها تخلص إلى جملة واحدة مفادها أن العديد من المشاريع التي تتم بالقروض أو بالتمويل الأجنبي يتم التحايل عليها محلياً من خلال عدم المصداقية في تنفيذ المعايير الدولية أو تأطيرها بشكل أو آخر لصالح جهات أو أفراد، أي أن التحايل يتم على المؤسسات المانحة مثل البنك الدولي الذي طالما أوسعناه شتماً، وإيهامها بان شروط المشاريع ومعاييرها قد تحققت.
أضف الى ذلك المشاريع الوهمية في معان مثل مصانع الزجاج واللاند روفر وأوضاع المدينة الصناعية وتعثر المنطقة التنموية. وهو ما ينسحب على تعثر التقدم الجاد في ايجاد بدائل تنموية مستدامة في المحافظات التي تشكل أوضاعها أزمات حرجة مثل عجلون والطفيلة والمفرق. 
حكومة الدكتور البخيت أمامها فرصة لإحداث اختراق تاريخي في ملف التنمية المحلية و في ملف الإصلاح السياسي، ولعلهما اهم ملفين في العقد الأردني الراهن، وهما المحك الحقيقي للانجاز ولنيل المصداقية الوطنية.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد