تشهد الصحافة العربية، كما هو الحال في أوساط قادة الرأي والمثقفين، نبرة تشاؤم مما حدث في السودان، حيث يلعب الوعي الجمعي الموروث لعبته العتيدة في مركزية الذات وفي المعايير المزدوجة، وفي التقمص الوجداني الجماعي المريض؛ أي تلك الأشواق بممارسة ما مورس علينا من استبداد واستعلاء حضاري وسياسي. يبدو ذلك واضحا فيما يدبج اليوم من تحسر وحرقة على الوطن السليب الجديد، وعلى الانفصال وتمزيق البلاد وهدر الثروات.. إلى غير ذلك من مفردات القاموس العتيق ذاته.
مرت حادثة الاستفتاء على مصير جنوب السودان في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي من دون أن تلفت أنظار الرأي العام العربي الذي كان منشغلا بالثورة المصرية، وقبلها الحادثة التونسية. لذا، لم تلتفت العامة ولا النخب بعمق إلى أن تقرير مصير جنوب السودان تم بإرادة شعبية خالصة، وفق عملية ديمقراطية ربما تكون الأولى في تاريخ علاقات المجتمعات العربية مع جيرانها ومحيطها في القضايا المركزية والمصيرية.
السودان الجديد المعافى في الشمال سيكون اليوم أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات المزمنة وبناء دولته الوطنية، بعد أن يتخلص من جانب كبير من معاناة عقود من الحروب والتدمير وتبديد الموارد وفقدان المستقبل وضياع العنوان وتشوه الهوية. صحيح أن النخب السياسية والعسكرية التي حكمت الخرطوم على مدى خمسة عقود قد فشلت في الدرس الأول في صناعة الاستقلال، وهو فتح الطريق أمام الاندماج الاجتماعي والتكامل السياسي مع الدولة، أي بناء دولة لكل مواطنيها، لكن ذلك لا يعني الاستمرار في معاندة التاريخ والجغرافيا والحقائق الاجتماعية باسم منع الانفصال وحماية الوحدة، وأي وحدة تلك التي دفع ثمنها السودانيون في الجنوب والشمال مئات الآلاف من الضحايا على مدى عقود من الصراع، وملايين من اللاجئين والمشردين، وفواجع ومصائب وجوائح من الأمراض، ومئات البلايين من الثروات التي هدرت، وضياع مستقبل ثلاثة أجيال؟
صحيح أن المجتمع السياسي السوداني بقصة الانفصال يكون عمليا قد فشل في بناء دولة لكل مواطنيه، لكن هذه الحادثة تضع السودان على الطريق الصحيحة لمواجهة التحديات الأخرى والتي لا تختلف كثيرا عن تعقيدات الحروب والأزمات المزمنة مع الجنوب. ما فات السودان أن يفعله منذ عقود مع الجنوب سيكون أكثر قوة وإرادة أن يفعله في دارفور وفي مناطق أخرى بشيء أكثر من الديمقراطية العادلة وبناء دولة المواطنة.
كل المخاوف التي يروج لها من سلوك الدولة الجديدة هي مجرد دعاية سياسية قديمة لا قيمة لها، ومن المفترض بدل الترويج بأن الدولة الجديدة لا مستقبل لها أن نبحث عن السبل الكفيلة لاحتضانها ورعايتها بدل أن ترتمي في أحضان الآخرين، حيث تبدو معظم مصادر التهديد الاستراتيجية التي يروج لها المرتبطة بالمحيط العربي تكمن في الداخل وفي طريقة فهمها والتعامل معها.
بينما السودان الجديد أمام فرصة لبناء دولة وطنية متماسكة وأكثر عافية وقوة، هناك نحو أربع دول عربية أخرى معرضة للانقسام، ليس على الطريقة السودانية بل بمرارة حقيقية تضرب في عمق المجتمع المفترض أنه يملك الكثير من عناصر التماسك والاندماج وليس كما هو الحال في النموذج السوداني.
السودان الجديد في الشمال قبل الجنوب يستحق التهنئة، ويستحق أن يتعلم منه الآخرون.
بقلم: د.باسم الطويسي
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي العلوم الاجتماعية جريدة الغد